"الإنفجار قوي.. طلع الدم.. بابا وماما بالسيارة بعدن"، كلمات مجبولة بالحزن وبراءة الطفولة قالها حيدر، فاجعة عائلية أحدثت منه نجمًا على مواقع التواصل الإجتماعي، ولا شكّ أنّ قصّته انطبعت بذاكرة وقلب كلّ لبناني، بل وصلَت إلى عدد كبير من المتابعين حول العالم.
مؤخرًا، إنتشر هاشتاغ #cristianomeethaidar، لتحقيق حلم الطفل بلقاء النجم البرتغالي كريستيانو رونالدو، وبعد حملة واسعة شارك بها كلّ من أثّر به وضع الطفل حيدر، أُفيد أنّ أقرباءه تلقوا إتصالاً من إسبانيا لإبلاغهم أنّ التحضيرات بدأت للقاء ورونالدو وافق على رؤية حيدر. لكن بعيدًا عن التعاطف فلنبحث الرحلة المدريدية بموضوعية.
أوّلا: إنّ تفجيري برج البراجنة غابا عن قاموس ريال مدريد ورونالدو نفسه على حساباتهم الرسمية، فالنجم البرتغالي الذي سارع إلى الدعوة للصلاة لأرواح المدنيين الذين قضوا في هجمات باريس، لم يُعر أهمية للإرهاب في بيروت، كذلك فريقه المدريدي لم يضع أي منشور لبيروت التي بكت دمًا ولم يُعلن تضامنه مع 43 شهيدًا خطفهم "أعداء الحياة".
ثانيًا: بعض المواقع العالمية تداولت أخبارًا عن مُطلق هاشتاغ #cristianomeethaidar، على أنّه "البطل" الذي ساعدَ حيدر على تحقيق حلمه، ما يعني أنّه ولو كان محقق حلم حيدر لديه نوايا جيدة ويريد زرع ابتسامة على ثغر يتيم، فلا شكّ أنّ الأخير بنى شهرةً على حساب حيدر.
هل هذا حلم حيدر أو "أُحلمَ به"؟
رونالدو الذي يتابعه الملايين ليس بعيدًا عن العمل الإنساني، فقد قام الأخير بالتبرع بمبلغ 1.5 مليون يورو لأطفال قطاع غزة عام 2012، والتقى مؤخرًا المدرب السوري اللاجئ أسامة عبد المحسن وابنيه محمد وزياد، بعد التعرّض للعرقلة من صحافية مجرية بعد اجتيازهم رحلة الموت. لكنّ بالنسبة لحيدر فالأمور تختلف، فحلمه أكبر، عيناه تصبوان إلى مستقبلٍ غامض لن يكون فيه والده حسين ووالدته ليلى. فربّما شاهد حيدر مباريات كرة قدم مع والده لكنّه ليس في العمر الذي يجعله مدركًا ومتيمًا برونالدو.
حيدر الذي عبس القدر بوجهه أصبح إبن شهيد وشهيدة، سيغلغل به وجع اليتم، ستذبل عيونه بدموع الإنتظار، سيشتاق لوالديه، ولو التقى رونالدو، سيعود إلى غرفته، ينظر إلى ألعابه ويقول: "هذه من بابا وتلك من ماما". وبعد خروجه من المستشفى سيستفيق ليلاً لينادي والدته التي لن تعود، سيبحث عن والده ليلعب معه ولن يجده، سيطلب الحنان الذي سيُحيطه به أقرباؤه، لكنّه سيفتقد دائمًا وأبدًا دفء أمّه.
حيدر الذي يتقاسم قصّة أطفال عرب كثيرين في سوريا واليمن والعراق، مثل علي دوابشة، الطفل الفلسطيني إبن السنة والنصف، الذي التهمته النيران الإسرائيلية وقتلت والديه، ومثل الطفلة رهف التي استشهدت مع أمّها الحامل في غزة وحاول والدها إنقاذها، ومع الطفلة التي كانت مع عائلتها على شاطئ غزّة حين يتمتها غارة إسرائيلية، إضافةً إلى قصص كثيرة في رماد الحروب.
حيدر سيبحث عن الوسادة الناعمة على صدر أمّه، سيحتاج لقبلات من ثغرها، من سيهزّ سريره ليحكي له قصصًا قبل النوم، إلى من سيلجأ بحثًا عن نصائح لمستقبله، سيفتّش عن صورها الضاحكة، هي التي عاش في قلبها تسعة أشهر وبين أحضانها 3 سنوات فقط. حيدر سيبحث عمّن سيمسك بيده على الدروب، من سيشتري له ثياب العيد، من سيحضّر له طعامه المفضّل؟. حيدر سيسأل "أين أبي الجدار الصامد الذي سأستند عليه أين المظلة التي ستحميني؟ من سيحضنني في برد الشتاء".
حيدر ورغم صغر سنّه إلا أنّه يتذوّق العلقم، كيف لا وحبيباه رحلا أمام عينيه. وليس فقط حيدر بل ذوي أهله الذين بالتأكيد سئموا من التقارير و"السبق الإعلامي" وتحقيق الغايات والأهداف على حساب حيدر وبإسم حيدر، أهل ليلى وحسين الذين لن يروي شوقهم أي مقال ولن تمسح دمعتهم رؤية رونالدو، ولن تُطفئ نارهم الملتهبة أي كلمات. لهم كلّ التعازي.
عقل حيدر الصغير ربما لن يتذكر سوى أنّ "ماما وبابا راحوا"، كما قال لإحدى قريباته التي كانت تنفي الحادثة، ليردّ عليها "كذابة.. ماما وبابا راحوا".