ما يُحكى في أوساط القاعدتين العونية والقواتية قد يكون أكثر تعبيراً في معانيها مما يُحكى على مستوى القيادتين.
ففي كلام الأولى (القاعدتان)، عفوية نابعة من رغبة في وضع حدّ لسنوات من الجفاء، إن لم نقل من العداء، وتطلع إلى تعاون أوسع في كل المجالات، وبالأخص في المجال السياسي، وعنوانه العريض رئاسة الجمهورية وقانون انتخابات نيابية، أو أي انتخاب آخر، سواء على المستوى البلدي أو النقابي، وحتى على مستوى الانتخابات الجامعية.
وما يقال على هذا المستوى، وهو تعبير صادق نتيجة تجربة امتدت سنوات طويلة، من أن استفراد المسيحيين بفعل تشرذم أكبر قوتين لهم لم تعد جائزة بعد اليوم، بل إن "التيار الوطني الحر" و"القوات اللبنانية" سيكونان في المرصاد لأي محاولة بفرض أي أمر لا يتوافق وتوجهاتهما، وإن كان ما يفصل بينهما من خيارات استراتيجية لا يزال يتحّكم ببعض الخطوات التنفيذية، كإعلان "القوات" صراحة وعلانية تأييد ودعم ترشيح العماد ميشال عون لرئاسة الجمهورية.
أما على المستوى القيادي، فلا تزال بعض الإعتبارات تتحكم بأي قرار قد تتخذه "القوات" تأييداً أو دعماً لعون في مشروعه الرئاسي، مع ما يعنيه ذلك من عناوين فرعية وأساسية يفترض التوافق عليها قبل الإقدام على أي خطوة مستقبلية، ومن بين هذه الخطوات علاقات "القوات" الإقليمية، وبالأخص علاقتها مع المملكة العربية السعودية، التي لا تزال تعارض وصول عون إلى الرئاسة، وهي لم تعارض في المبدأ إمكانية وصول النائب سليمان فرنجية، فضلاً عن مدى ملاءمة توجهات "القوات" وخياراتها الإستراتيجية، التي تتعارض مع توجهات العماد عون، وبالأخص في ما يتعلق بتحالفه مع "حزب الله".
ووفق ما تناهى من معلومات فإن ما أعلنه النائب جورج عدوان خلال إجتماع لقيادت 14 آذار بالأمس، لجهة حسم خيار "القوات" بالسير في ترشيح عون قد أزعج معراب، التي لم تقرر بعد توقيت هذا الإعلان، إلاّ إذا كان موقف عدوان يدخل في باب المناورات السياسية أو من قبيل إطلاق بالونات اختبار لمعرفة ردود فعل الآخرين مسبقاً على الخطوة الرسمية والعلنية التي ستقدم عليها "القوات"، وهي خطوة لا يمكن سلقها أو التسرع بها، من دون إشباعها درساً وإحاطتها بكل المعطيات وتقييم نتائجها السلبية والإيجابية.
وبالفعل فإن "قنبلة" عدوان، وإن كانت دخانية، قد أحدثت شرخاً داخل القوى الأساسية في تجمع 14 آذار، إذ أعلنت "الكتائب" وقوفها إلى جانب تيار "المستقبل" في خيارها ترشيح فرنجية، بعد إجراء مقارنة بينه وبين عون في ما خصّ قربهما من خيارات "حزب الله" ومدى التزام كل منهما بهذا الخيار. وقد جاء موقف الوزير جبران باسيل في اجتماع وزراء الخارجية العرب في القاهرة ليعزز موقف الذين يؤيدون فرنجية.
وهكذا يكون عدوان قد نجح، حيث لم ينجح الآخرون، في إحداث شرخ عميق داخل صفوف 14 آذار، وقياساً عليه تستطيع "القوات" على المستوى الرسمي اتخاذ خيارها النهائي.