وصف ديبلوماسي لبناني مخضرم موقف وزير الخارجية جبران باسيل في اجتماع وزراء الخارجية العرب الذي انعقد بالأمس في القاهرة بـ"ضربة على الحافر وضربة على المسمار"، بمعنى أن ما أعلنه في كلمته الرسمية، وهو موقف يعّبر عن الموقف الرسمي للبنان لجهة تضامنه مع المملكة العربية السعودية بعد الاعتداءات التي تعرضّت لها بعثتها الديبلوماسية والقنصلية في ايران، هو بمثابة "الضربة على الحافر". أما "الضربة على المسمار" فجاءت عندما اعترض على قرار إدراج "حزب الله" على لائحة الإرهاب، وهو بذلك جمع بين موقفين متعارضين على الساحة اللبنانية، المتمثل اساساً بفريقي "المستقبل" ومن يقف في صفه، وبين "حزب الله" ومن يؤيد خياراته، ومن ضمنهم الوزير باسيل بصفته رئيساً لـ"التيار الوطني الحر".
وبين هذين الموقفين ثمة من رأى فيهما التباساً واضحاً في الوقوف بالتوازي بين متعارضين أو محاولة الجمع بين متوازيين، خصوصاً أن الموقف الأول لم يرضِ مؤيدي التوجه الإيراني، فيما أغضب الموقف الثاني مؤيدي السياسة السعودية، وإن كان رئيس الحكومة سارع إلى تبنيّ ما اتخذه باسيل حيال رفضه أعتبار "حزب الله" إرهابياً، وهو مكّون اساسي في الحكومة.
هذا في المضمون. أما في الشكل فقد ذهب البعض إلى المقارنة بين اليوم والأمس، مستعرضاً اسماء كبيرة توالت على إستلام حقيبة وزارة الخارجية، وهي من الحقائب المتعارف على تسميتها بـ"السيادية"، وهي توازي في أهميتها وزارة الداخلية، التي توالى عليها اسماء كبيرة ايضاً، فأختصرت المشهد بهذه العبارة: "بين شارل مالك وجبران... الله يرحم فؤاد بطرس"، في إشارة إلى أهمية ديبلوماسية الصمت، التي قد تكون غالباً أهم من أي كلمة تُقال في غير محلها.
وقد ينعكس ذلك على صورة لبنان في الخارج، وهي تزيد من قناعة بعض الدول بأن لبنان المحكوم بين ثنائية الولاءات مغلوب على امره، وهو مضطر للسير بين النقط، حفاظاً على ما تبقى من وحدته الداخلية، التي لا تزال صامدة في وجه الأعاصير الاقليمية والأزمات التي يتتخطى طاقته وإمكاناته، وهو لذلك لا يزال يصّر على إنتهاج سياسة الناي بالنفس على المستوى الرسمي، وإن كان تطبيق هذه السياسة خرقها البعض ورفض التقيد بها على المستوى الإفرادي.
وعلى هذا الأساس لا يزال موعد الحوار الثنائي بين تيار "المستقبل" و"حزب الله" في جولته الـ 23 قائماً، على رغم ما سبقه من تصعيد كلامي على خلفية توتر العلاقات السعودية – الإيرانية، باعتبار أن لا بديل عن هذا الحوار سوى اللجوء إلى الشارع، وهو خيار يرفضه الجميع، مع ما يعنيه من انعكاسات تدميرية لا يريدها أي فريق لبناني.