يكاد اللبنانيون لا يعرفون من اللغة التركية سوى كلمة سفربرلك (الترحيل الجماعي)، التي حولها الإبداع الرحباني فيلماً سينمائياً وثّق مرحلة مهمة من تاريخ لبنان الحديث. قلة قليلة من اللبنانيين تعرف ان في محافظة عكار ثلاث قرى هي بمثابة ودائع تركية فوق أرض لبنانية: الكواشرة، عيدمون والبيرة.
سكان هذه القرى لبنانيون من أصول تركمانية نزحوا منذ نحو 450 سنة على أيام الحكم العثماني إلى عكار وحلب للمساهمة في حماية الجيش التركي من الاعتداءات. عاش هؤلاء السكان على التقاليد اللبنانية والتركية ولم يبق من جذورهم سوى اللغة التي يتحدث بها كبار السن، لكن تواصل هذه القرى قائم مع الدولة التركية من خلال السفارة التركية في لبنان، وقد شهدت السنوات الـ 20 الأخيرة استحضاراً لافتاً لخصوصية الأصول التركية عند هؤلاء اللبنانيين الذين يحبون وطنهم لبنان، كما يؤكدون، لكنهم يشعرون بالحنين الى تركيا الأم.
العلم التركي موجود داخل كل بيت في الكواشرة وكل سفير جديد يزور هذه القرى في عادة ارساها السفير التركي ابراهيم ديجالي في أواخر الثمانينات، مع إلاصرار على وصف العلاقة بين الطرفين بالإنمائية والاجتماعية.
الرئيس التركي رجب طيب اردوغان نفسه زار الكواشرة في تشرين الثاني من العام 2010، حيث أقيم له مهرجان شعبي حاشد.
أما وزير الخارجية التركي أحمد داوود أوغلو (رئيس الحكومة) فقد أقسم بأن لا تعطش الكواشرة الا إذا عطشت تركيا، في إشارة إلى المشاريع الانمائية التي تنفذها الدولة التركية في هذه القرى عبر الوكالة الحكومية التركية للتعاون والتنسيق، التي يزور أعضاؤها منطقة دريب عكار، حيث تقع القرى الثلاث، بشكل دوري.
الوكالة نفذذت عدداً من المشاريع الانمائية الملحة مدرجة جملة من المشاريع المستقبلية. في عيدمون دشن الرئيس اردوغان المدرسة الرسمية بتمويل من الدولة التركية، التي أنشأت أيضاً بئرين ارتوازيين وشبكة مياه الشرب وخزان لتأمين مياه الري، اضافة الى تأهيل دار البلدية ومسجد البلدة.
سكان البيرة التي تتوسط الكواشرة وعيدمون يتحدرون من منطقة ديار بكر وتضم مبنى أثرياً ضخماً كان مقراً سياسياً وعسكرياً وقيادياً مهماً خلال الحكم العثماني، وهو مصنف ضمن لائحة الأبنية الأثرية.
على الصعيد الثقافي، ترسل وزارة التربية التركية مدرسين للغة التركية الحديثة لأن السكان يتقنون اللغة القديمة، وهي بدأت دورات تعليمية لأكثر من سبعين تلميذأ سنوياً يتابع غالبيتهم التعليم في الجامعات التركية، ومنهم من يحظى بمنح من الدولة التركية تغطي كلفة التعليم، إضافة الى مبلغ مالي يناهز ثلث مصاريف الاقامة. غالبية سكان هذه القرى تحتفظ بوثائق ومستندات أرض وعملة تركية ختمت بعبارة " الدولة العثمانية الرشيدية"، وهم يعملون في الزراعة وتربية الماشية بعدما كانوا يشتغلون في السابق بحياكة السجاد التركي.
مساعدات الدولة التركية لا تقتصر فقط على التركمان بل تشمل أيضاً عدداً من العائلات السورية النازحة الى هذه القرى، مثل البطانيات والمواد الغذائية وصفائح المازوت.
سكان الكواشرة وعيدمون والبيرة يعيشون الولاء المزدوج لدولة احتضنتهم وأخرى يتحدرون منها وتتعامل معهم بوصاية انسانية واجتماعية وانمائية، ويبقى على زائر هذه القرى أن يحفظ على الاقل عبارة "غوش غالدن" اهلاً وسهلاً بالتركية.
("
لبنان 24")