"تعمل تركيا اليوم على الوصول إلى من يقف وراء هذا الهجوم، لأن "داعش" لم يكن سوى مقاولاً فرعياً لتنفيذ الهجوم" هذا ما صرح به رئيس الحكومة التركية "أحمد داوود أوغلو" لإحدى الصحف الأجنبية لدى سؤاله عن العملية الانتحارية التي حصلت الأسبوع الجاري في ساحة مسجد السلطان أحمد، والتي تسببت بمقتل 10 أشخاص على الأقل وعدد من الجرحى. أخطر ما في التصريح أنه حمل غمزاً يصل الى حدّ الإتهام لجهة معينة بذاتها، واضحة هويتها السياسية لدى تركيا وان لم تسمها، مكتفية فقط بإعطائها صبغة العمل الارهابي بأدوات داعشية. فمن هو المقاول الذي قصده "أوغلو" في تصريحه ولماذا لم يفصح عنه؟!
لا شك ان هذا التصريح يفيد أقله، أن الرسالة وصلت الى عُقر الدار التركي وهو بالتالي ليس بمنأى عن ألسنة اللهب المشتعلة في المنطقة مهما علا سقف مواقفه وسلوكه الدبلوماسي والعسكري تجاه ملفات المنطقة وفي مقدمها الملف السوري. من هنا يبدو جلياَ ان هناك محاولة قوية للضغط على اللاعب التركي لإرباكه ودفعه لخلط أوراقه مجدداً وكف يده على القيام بأي خطوة مفرملة أو معرقلة لمسار التسوية الجاري نسجها بين الاقطاب على الساحة الإقليمية والدولية.
فتركيا في علاقاتها مع محيطها، لا سيما ايران التي تشكل محور اللعبة التي يجري تدوير أوراقها حاليا، استطاعت طيلة الفترة السابقة الحفاظ على علاقة مستقرة معها، وقد توثقت العلاقات فيما بينهما في العديد من الملفات خصوصاً الاقتصادية منها، تُوجت العام الماضي بزيارة الرئيس التركي "اردوغان" الى طهران، تخللها ترحيب الأخيرالصريح بالتوافق على الاتفاق النووي آملا بتوصل الاطراف الى الاتفاق النهائي.
هذا الانسجام المحكوم بالمصالح الاقتصادية بالدرجة الاولى والذي لم تستطع خرقه الخلافات التركية -الايرانية حول الملف السوري بشكل خاص ،شكل ورقة اضافية مؤثرة بيد تركيا للعب دور أكبر في حراكها الدبلوماسي مما شكل اشارة تهديد لا يمكن الاستهانة بها، لمصالح "خياط "التسوية الحالية والمعني الاول بها هو "الدب الروسي"، من هنا فان فخ استدراج اللاعب التركي بدأ نصبه في صميم هذه العلاقة مع استدعاء تركيا للسفير الايراني الاسبوع الماضي للمطالبة بوقف تقارير اعلامية ايرانية تربط تنفيذ احكام الإعدام التي تمت مؤخرا في السعودية بزيارة الرئيس التركي "اردوغان" للرياض مطلع الشهر الجاري مما استدعى إدانة مشددة جاءت على لسان وزارة الخاريجة التركية في بيان لها ادانت فيه الربط الذي ورد في تقارير نشرتها وسائل إعلام مرتبطة بهيئات رسمية ايرانية بين زيارة الرئيس التركي للمملكة العربية السعودية والاعدامات التي حصلت،
هذا الاستدراج كان قد سبقه مساعي تركيا على خط العلاقة الايرانية – السعودية، كشف عنها الباحث التركي "محمد زاهد غول" المقرب من "حزب العدالة والتنمية" تأتي في اطار لعب دور الوساطة على خط الازمة اليمنية حيث عرضت ايران على تركيا سلة مقترحات في هذا الاطار. ليس هذا فحسب فلقد اعقبت تركيا خطواتها الدبلوماسية بصفقة قوية لللاعب الروسي عبر اسقاطها مقاتلة "سوخوي" اخترقت مجالها الجوي قرب الحدود السورية، مما ادى إلى توتر العلاقة بين البلدين الى درجة غير مسبوقة دفعت بروسيا الى اتخاذ عدة اجراءات بحق تركيا منها الغاء تأشيرات دخول الاتراك وحظر استيراد المنتجات الغذائية وحظر اسناد مشاريع عامة في روسيا للشركات التركية.
اذا، ان عرض العضلات التركي الدبلوماسي والعسكري الذي حصل مؤخرا لخطف اوراق من يد "خياط التسوية" لن يمر مرور الكرام كما ان مرحلة نصب الافخاخ نحو استدراج اللاعب التركي لم تنته بعد، بالتالي ليس مستبعدا ان تكون العملية الارهابية التي تعرضت لها تركيا مؤخرا هي عبارة عن فخ جديد للضغط عليها واستدراجها الى اللعب حيث يجب، بهدف لجمها عن القيام بأي خطوة تتجاوزمن خلالها الخطوات المرسومة حالياً الى حين انضاج التسوية الكبرى. ولكن هل ستبلع تركيا الطعم؟
من الواضح ان تركيا فهمت الرسالة وهي بالتالي في موقف لا تحسد عليه سيما وانها مزنرة بملفات شائكة قد تُفجر في وجهها في اي حين وعلى رأسها الملف الكردي هذا عدا عن نصب روسيا لنظام دفاع جوي في سوريا الذي، وفقا لتقارير، تتجاوز اهدافه محاربة داعش وحماية المنشآت الروسية الى إمكانية توسع رقعة المواجهة العسكرية لاحقاً. كل ذلك في ظل انكفاء أميركي عن لعب اي دور مباشر في المنطقة مسلما زمام اللعب للدب الروسي عبر التنسيق معه حيناً، وغض النظر عن تحركاته احياناً كثيرة.
امام هذا الواقع، قد يكون القصف المدفعي لمواقع تنظيم "داعش" الارهابي في سوريا والعراق الذي صرح عنه بالامس رئيس الوزراي التركي "اوغلو" هو الرد اوالحراك الجديد الذي ستحذوه تركيا وذلك على قاعدة "امشي عدل يحتار عدوك فيك"، ولكن ماذا لو توسعت رقعة الحراك العسكري التركي اكثر في سوريا والعراق؟ وهل ستقف روسيا ومن معها في ميدان الازمة متفرجين على هذا التدخل؟!
كل ما يمكن قوله في هذا الاطار هو ان جبهة نار جديدة اضيفت الى الجبهات الموجودة في المنطقة، ومن المتوقع ان تشهد الاشهر المقبلة حماوة كبيرة على خطوط الازمات العالقة فيها لا سيما في سوريا والجوار، وذلك في سباق محموم مع الوقت الذي بدأ ينفذ، في ظل اقتراب موعد الانتخابات الاميركية التي تهدد نتائجها في حال صبت في صالح الجمهوريين الى احتمال تبدل في مواقف الادارة الاميركية لاسيما فيما يتعلق بالاتفاق النووي وما قد يكون لذلك من تداعيات قد تقلب كل المعادلات.
(ميرفت ملحم - محام بالاستئناف)