كتب ملكار الخوري، أحد الناشطين المثقفين على صفحته على موقع "فيسبوك" ما حرفيته: "ميشال شيحا، سعيد عقل، مي مر، موريس عواد et compagnie... وهمتونا إنو نحنا شعب عظيم، وصدئناكن. خطييتكن عظيمي!"
تختصر هذه الكلمات ثنايا المعاناة. ليس أصعب من الإحساس بخيبة أمل، أو غدر، أو يأس وصل إلى حدّ سعي اللبنانيين، ممن بقوا وصمدوا، إلى البحث عن وطن بديل. كأن "تجديد" هذا البلد، المكتوب بخطّ الألم والأمل، بات مستحيلاً، وما على الراغبين "بالسفر" إلى دولة الحلم والمساواة والقانون، إلا "استبدال" الوطن، وتسديد الرسوم باهظة الثمن.
"ما في شي زابط بلبنان، من أصغر تفصيل لاكبره"، نردد. نتلفت من حولنا باحثين عن إيجابية في "كومة قشّ". نفشل! فحتى حضارتنا وثقافتنا التي كنا نتغنى بها، وضعناها في متحف الإهمال أو النسيان. نمازح: "لقد قمنا بتصدير الحضارة الى العالم، وما تركنا منها شيئا لنا". نقدم الإثبات: يعتكف المثقفون في منازلهم مكتفين بنصّ أو قطعة فنية تُزجّ في صفحات الرتابة ومسارح التسخيف. نقرأ التوقعات والأبراج، ولا يعنينا أن أسدلت الستارة على مساحة ثقافية، نقدية وحوارية. نسأل: أهي مسؤولية الإعلام والمعنيين بالثقافة والفنون، أم مسؤولية الشعب؟
نعيد محاولة البحث. نفشل مجدداً، فنتحسس هول الفاجعة: أزماتنا تبدأ من "كيس الزبالة" وصولاً الى المواطنة والانتماء. بات التطرّق الى معضلة الكهرباء والمياه والاتصالات في لبنان، ابتذالا و"كليشيه". وجدنا البدائل وتأقلمنا، فكان لا بدّ من مفاجآت جديدة و"مبتكرة". بعد الاعتياد على الفراغ والدولة مقطوعة الرأس ومعطوبة الأطراف، تباغتنا أزمة النفايات. تُطرح أوساخنا على الشوارع وطاولات بحث المسائل المعقدة، ونُسأل التأقلم، فنستجيب! ثم نصحو على هول قضية جديدة: إطلاق سراح ميشال سماحة بكفالة مالية! نسارع إلى تحضير مراسم دفن العدالة ومبدأ المساواة بين المواطنين. بتنا نخاف من هذه الدولة التي سلخت "جلدنا عن عظمنا" حتى حوّلتنا إلى هياكل عظمية تجيد الرقص والقرقعة بين القبور. وما أكبر هذه "المدافن" وما أوسعها، هنا حيث ترقد القوانين والمنطق والعدالة والمواطنة والحقوق.
يرعبنا عرّينا وعريّ هذه الدولة. مُفرغين من أي أدوات ومعدّات، نحاول استرجاع لحمنا وخياطته بالجلد المترهل. نحن الشعب العظيم من سلالة طائر الفينيق، هكذا أخبرونا! ولكن من أي نبدأ، وكيف لنا أن نترجم ما نحلم به؟! وهل أصلاً من أحلام مشتركة؟! لعلّ المعضلة الأساسية تكمن في هذا السؤال! هكذا لأن القانون بات وجهة نظر بل مادة استنسابية خاضعة للأهواء والميول السياسية الضيّقة. ولأن ثمة من اختار التأقلم السلبي مع كل الإستثناءات والخارج عن المألوف والمنطق والطبيعة. نعدد: لبنان بلا رئيس للجمهورية منذ سنة ونصف، الإنتخابات النيابية منسوفة والبرلمان مدّد لنفسه مرتين. الحكومة أشبه بحال تصريف الأعمال. البلد بات "باركينغ". كل الفواتير تدفع مرتين. الخدمات الاجتماعية غائبة. الغذاء فاسد، الدواء مغشوش. "الواسطة ماشية" ودخان النراجيل والسكائر في المكاتب والمطاعم. وسائل الإعلام تنازع. البحر مسلوب والسماء ملوّثة. المرأة تُقتل في المعنيين المجازي والحقيقي. العبودية ظاهرة طبيعية في المنازل. الأطفال يتشردون واللاجئون خارج مخيّمات لائقة. أبنية كثيرة مهددة بالسقوط، وإنشاءات على الأملاك العامة. بطالة وقوارب هجرة وموت. طائفية في النفوس والنصوص. غلاء معيشة وضرائب كثيرة ولا "سلسلة". سجناء من دون محاكمات. خلايا الإرهاب تتكاثر وتنمو. لا موزانات وفساد عارم. أعلام دول إقليمية ودولية تطيح بعلم الأرزة. ولا لبنان أخضر كما كان، ولا "مرقد عنزة". عواصف الشتاء صارت "هجنة" والعواصف السياسية "موضة". فوضى في كل مكان وزمان. وها نحن نعايش المصائب والمصاعب ونطرح الإشكالية ذاتها: من المسؤول، أهي الدولة أم هذا الشعب الذي صدقنا... إنه عظيم؟!