لا تزال تلك الجملة الشهيرة التي أطلقها يومها الدكتور سمير جعجع من على درج بكركي "الجنرال بيمون"، وكانت "حرب الإلغاء" كما أسمتها "القوات اللبنانية" في أوجها، تفعل فعلها، ولو بطرق مختلفة وتفسيرات مغايرة، بعدما تجاوز كل من "التيار الوطني الحر" و"القوات اللبنانية" مفاعيلها السلبية، عبر ما توصلا إليه من خلال ورقة "إعلان النوايا"، بحيث أصبح الماضي وراءهما بالقول والفعل، وهما يخطّطان للمستقبل، إنطلاقاً من قراءة مشتركة لهواجس المسيحيين، ومن بينها رئاسة الجمهورية.
ولأن لهذا الموضوع أهمية قصوى بالنسبة إلى ما يرمز إليه الموقع الرئاسي، وهو الموقع المسيحي المتقدم في سلّم المسؤوليات في الدولة، ولو من حيث رمزيته، فإن ما يتم تداوله بين الرابية ومعراب ليس بالأمر السهل. ومن هنا يُفهم الغموض الذي يلف موقف معراب، مع ما ترافق من تسريبات متناقضة ربما كانت مقصودة حول القرار المنوي اتخاذه لجهة تبني ترشيح "القوات" للعماد ميشال عون، أو صرف النظر عن هذا الموضوع في الوقت الحاضر، لأسباب كثيرة، وقد يكون أولّها أن الدكتور جعجع الذي لوّح بورقة "الجنرال" في وجه حليفه المفترض رئيس تيار "المستقبل" سعد الحريري، جاء ردّاً على تبنّيه ترشيح النائب سليمان فرنجية، وقد نجح إلى حدود معينة في "فرملة" إندفاعة الحريري، في لعبة شبيهة بـ"عض الأصابع" أو شدّ الحبال.
وقد يكون لما لجعجع من علاقات قديمة مستجدة مع المملكة العربية السعودية تأثير مباشر في القرار النهائي الذي سيتخذه، والذي يتوقف عليه مسار مرحلة طويلة من العمل السياسي وفق روزنامة جديدة، لا بدّ من أن تأخذ في الاعتبار المعطيات المستجدة في المنطقة، بإعتبار أن لبنان ليس جزيرة مفصولة عن محيطها، بل هو الأكثر تأثراً بتطوراتها، سلباً أم إيجاباً، مع ما يعنيه ذلك من إحاطة جامعة لكل هذه المعطيات، إذ أن إهمال أي تفصيل من تفاصيلها قد يؤدي إلى انعكاسات خطيرة على الوضعية اللبنانية الداخلية.
وقد تكون التطورات الحاصلة في سوريا، ميدانياً وسياسياً، في ظل التجاذب الإقليمي المتمثل بمحوري الرياض وطهران، وبالاخص بعدما دخل الإتفاق النووي حيز التنفيذ، هي التي تملي على جميع الأطراف التعاطي مع أي خطوة آنية أو مستقبلية بحذر تام.
وعليه، فإن جملة "بيمون الجنرال" رئاسياً قد تكون من أهم وأصعب القرارات التي يمكن أن تقدم عليها "القوات اللبنانية" في هذا الظرف المفصلي التاريخي، وهو أمر لا يُمكن الإقدام عليه في لحظة انفعال أو بمثابة ردّة فعل على فعل، بل يستلزم الكثير من الدرس والتمحيص، مع أرجحية استبعاد إمكانية ترشيح العماد عون مقابل تراجع الحريري عن فكرة ترشيح فرنجية، والدخول في مرحلة البحث عن اسماء من خارج نادي "الرؤساء الأقوياء"، وقد يكون لبكركي في هذه المرحلة الكلمة الفصل.
ولهذا فإن الساعات القليلة المقبلة قد تكون حبلى بالتطورات والمفاجآت، وهي قد تكون تأسيسية لمرحلة طويلة من التجاذبات، التي يختلط فيها الحابل الإقليمي بنابل السياسة اللبنانية المحلية.