تعكس حدة المناوشات السياسية والتراشق الإفتراضي على "فايسبوك" و"تويتر" حقيقة الانقسام داخل البيت الواحد في لبنان.
إن كان ترشيح الرئيس سعد الحريري للنائب سليمان فرنجية قد أحدث خرقاً كبيراً في جدران 8 و14 آذار، فإن ترشيح رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع لخصمه التاريخي ميشال عون قد أنهى التموضع السياسي القائم حتى لحظة الترشيح وفتح الباب أمام إعادة رسم خارطة التحالفات الجديدة وفق مصالح مستجدة.
ألمح فرنجية خلال مقابلته التلفزيونية على شاشة "ال بي سي" قبل أسابيع إلى وجود إحصاءات واستطلاعات رأي داخلية وصلت نسخ منها الى بكركي حول المرشح الشعبي المفضل بين المرشحين الأربعة. مهما كانت نتيجة هذه الاستطلاعات (وإن كانت على الأرجح تشير الى تقدم فرنجية على بقية المنافسين)، فإن المزاج الشعبي العام لدى المسلمين عموماً في لبنان، وشريحة واسعة من الشارع الشيعي (جمهور حركة "أمل" وجزء كبير من جمهور "حزب الله") تحديداً تميل إليه للاعتبارات التالية:
- لا يقل سليمان فرنجية مرتبة في متانة حلفه مع المقاومة من أي مرشح آخر، بل تشير سيرته السياسية الى أنه سابق زمنياً في هذا المجال، مع ما لسِمَاته الشخصية أيضاً من تأثير في مودة أنصار المقاومة له.
- للأسف لم يكن يوماً القرار لبنانياً في اختيار رئيس للجمهورية. فما بالك في زمن التسويات الإقليمية التي تسير ببطء؟ في هذه الحسابات، يحظى فرنجية الحليف لسوريا وايران والمقبول سعودياً ودولياً بحظوظ أوفر من أي مرشح آخر عندما تحين لحظة التفاوض على الملف اللبناني. وإن كان اقدام الحريري على طرح اسم فرنجية لم يرقَ إلى مستوى المبادرة الرسمية بعد بسبب سوء إدارة الملف؛ فإن ما نجم عن تداول اسم فرنجية كمرشح جدي، من خارج حسابات الإصطفاف المشلولة التي لم تستطع الاتيان برئيس توافقي، قد أكسبه حظوظاً إضافية عند الحديث عن تسوية إقليمية أو دولية في لبنان.
- أثبتت محطات عديدة (قبل استحقاق الرئاسة) أن فرنجية حين يخاصم فهو يحافظ في خصومته على خطوط التواصل مفتوحة على رغم صراحته المعهودة، والتي قد تبدو أحياناً قاسية أو حادة، إلا أن مختلف الأفرقاء يعرفون أن التعامل مع الزعيم الشمالي سهل ومباشر ولا يحتاج الى الكثير من المقدمات.
- تركت عملية توريث رئاسة "التيار الوطني الحر"؛ وإن كانت شأناً داخلياً، علامات استفهام لم يجب عليها التيار بعد، لدى اللبنانيين عموماً وفي أوساط جمهور المقاومة خاصةً، وإن كانت هذه التساؤلات لم تخرج إلى العلن في الإعلام بشكل مباشر نتيجة اعتبارات سياسية مفهومة.
- لم يختلف آداء "التيار الوطني الحر" عن آداء بقية التيارات السياسية في معرض تعامله مع الحراك الشعبي الذي حظي بتعاطف من مختلف الطوائف، وإن تم إجهاضه لاعتبارات سياسية مفهومة أيضاً. غير أن هذا الحراك كان مطلباً بل أمنية في قرار جمهور المقاومة، خاصة بعدما أبدى الأمين العام لـ"حزب الله" موقف المقاومة بوضوح من هذا الحراك ودعمه المطالب المحقة للشعب مع إبداء ملاحظات على بعض الأمور. وبدلاً من أن يقود التيار هذا الحراك باعتباره حركة إصلاحية اتخذ موقفاً سلبياً منه على قاعدة "ليش انتو مش نحنا"، والتي تم اعتمادها لاحقاً في مقاربة ترشيح سليمان فرنجية.
- ترك فشل الاتفاق على مناقصات ملف النفايات أثراً سلبياً لدى جمهور المقاومة، بعدما تسربت أجواء تفيد بتعامل فوقي في هذا الملف. وكان في إمكان أي صحفي أو مراقب يتلمس رأي الأكثرية في هذا الشارع أن يلحظ انزعاجاً يقارب حدّ الغضب من تعامل الحليف المسيحي مع هذا الملف، لكنّ هذه الأجواء لم تنعكس مرة أخرى في الإعلام بحجمها الحقيقي للاعتبارات السياسية نفسها.
- ليس سهلاً أن يبلع شارع المقاومة مرور الجنرال عون إلى قصر بعبدا من معراب تحديداً، وإن كان هذا الجمهور يبدي تجاوباً عادة مع ما تطلبه القيادة في اللحظات المصيرية تحت عنوان المصلحة العامة، غير أن وجود مرشح جدي آخر يحظى بكل الشروط اللازمة تزيد الأمور تعقيداً.
- يميل المزاج العام لدى جمهور حركة "أمل" بوضوح الى جانب زعيم تيار "المردة" في الإستحقاق الرئيسي، وإن كان البعض يحاول التقليل من أهمية هذا الأمر بالقول إن الرئيس نبيه بري سيراعي موقف "حزب الله" في النهاية، فإن وزن هذا المزاج مضافاً اليه مزاج شريحة واسعة من جمهور الحزب نفسه سيفرض نفسه على حسابات القيادات الشيعية؛ وإن لم يتم تظهير هذه الحسابات في العلن.
- إن جوهر التزام "حزب الله" بالسير بالجنرال عون رئيساً يستند إلى اعتبارات "أخلاقية" غير مسبوقة في السياسة اللبنانية. هذه الإعتبارات نفسها – على رقيها ومثاليتها - قد تطيل فترة الفراغ في انتظار أن ينجح طرف محلي أو إقليمي في إقناع "الجنرال" بالتخلي عن فكرة ترشحه، ولكنها لا تستطيع بالتأكيد ضمان انتخابه رئيساً في ظل رفض القوى الدولية له فضلاً عن ترجيح العديدين من حلفاء الحزب نفسه لفرنجية؛ ما يطرح اشكالية جدية ستجد قوى الثامن من آذار قريباً أنها في حاجة إلى إيجاد إجابة شافية عنها.