من شاهد بالأمس اللقاء الذي وصف بـ"التاريخي" في معراب بين خصمين باعدت بينهما سنوات طويلة من العداء والجفاء لم يصدّق عينيه، وحاول أكثر من مرّة أن يقرص نفسه ليتأكد من أن ما يشاهده ليس حلماً بل حقيقة.
وقد تكون التعليقات والصور التي غزت مواقع التواصل الإجتماعي، والتي مزجت بين شعاري "التيار الوطني الحر" و"القوات اللبنانية" خير دليل على الصدمة التي أحدثها هذا اللقاء، الذي بقي حتى اللحظات الأخيرة مشكوكاً بأمره حتى أصبح واقعاً. فـ"الحكيم" أعلن وبالفم الملآن تبني "القوات اللبنانية" ترشيح العماد ميشال عون مرشحاً لرئاسة الجمهورية.
واللافت في هذا الترشيح أنه ترافق مع كلمة للدكتور سمير جعجع ضمّنها عشر وصايا، وكأنه أراد بذلك أن يرسم للعماد عون خارطة طريق بعبدا، مع ما فيها من رسائل في كل الإتجاهات، للأقربين وللأبعدين، ومن ضمنهم بالطبع "القوى الحليفة في قوى 14 آذار، وعلى رأسهم رئيس تيار "المستقبل" سعد الحريري، الذي يُعتقد أنه سيبادل تحية جعجع بتحية مماثلة عبر إعلان ترشيح رئيس تيار "المرده" النائب سليمان فرنجية رسمياً هذه المرّة، الذي أعلن أنه ماضٍ في ترشحه. وهنا يبدأ مشوار الإستقطاب والتجييش، بعدما سقطت الخطوط الحمراء بين معراب و"بيت الوسط".
أما رسائل جعجع للأبعدين، وبالأخصّ إلى "حزب الله" حليف مرشحه، فكانت من خلال المواقف الجديدة التي أعلنها صراحة، والتي اعتبرها البعض تمهيدية لفتح قنوات إتصال مع "حزب الله"، وتلخصّت بالأخصّ في إعلانه أن اسرائيل دولة عدوّة، والعمل على ضبط الأوضاع على طول الحدود اللبنانية - السورية في الاتجاهين، وعدم السماح باستعمال لبنان مقراً أو منطلقاً لتهريب السلاح والمسلحين.
وما لفت أكثر في كلمة جعجع أنه لم يضّمنها ولو إشارة واحدة إلى سلاح "حزب الله" وقتاله في سوريا، وفي ذلك مؤشر واضح إلى أنه أراد أن يضمن استمرار وقوف الحزب إلى جانب العماد عون في معركته الرئاسية، على رغم تبني هذا الترشيح من قبل "القوات اللبنانية، وما يمكن أن يشكّله هذا التبني من حساسية في أوساط الحزب.
وما لم يقله جعجع صراحة وعلانية قالته السيدة ستريدا التي دعت قيادة "حزب الله" إلى "أن تلاقينا وتكون تحت هذه المظلة لمصلحة لبنان أولاً وأخيراً".
وما قاله جعجع قد لا يستطيع أن يقوله الحريري، وإن كان يحرص على إبقاء قنوات الحوار مفتوحة مع "حزب الله" في حوارهما الثنائي، ولكن في المحصلة النهائية، وكما أن العماد عون هو حليف أساسي للحزب، فإن مرشح "المستقبل" النائب فرنجية هو حليف موازٍ لـ"الجنرال"، من حيث الإلتزام خط المقاومة، وهذا كله يصّب في قناة "حارة حريك التي أصبحت القاسم المشترك بين حليفيها المدعومين من أكبر دعائم 14 آذار.
وهكذا تنتقل الرئاسة من جيب الحريري وجعجع إلى عبّ "حزب الله"، الذي لا يزال يمسك بهذه الورقة بإحكام وهو يستعملها بكثير من الثقة بالنفس وبما لديه من فائض قوة.