وكأن كلام رئيس كتلة "المستقبل" النيابية فؤاد السّنيورة في بكركي أمس بأن انتخاب رئيس للبنان ليس شأنا مسيحيا فقط، بل شأن لبناني بإمتياز، شكلّ اللبنة الأخيرة في مدماك التحالف القواتي - العوني الذي توّج بإعلان رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع من معراب ترشيحه لرئيس تكتّل "التغيير والإصلاح" العماد ميشال عون لرئاسة الجمهورية.
قبل عام، أو أقلّ، قبل عامين، قبل 10 أعوام قبل 30 عاماً لم يكن أيّ خيال لبناني يجرؤ على تصوّر"سيناريو" مماثل: إجتماع الإخوة الأعداء اللذين أطلقا على بعضهما البعض أفظع الألفاظ وجرّا المسيحيين واللبنانيين إلى حروبهما العبثية في أكثر من مرحلة، القائدين الحربيين اللذين، بحسب تصريحاتهما، حاولا اغتيال بعضهما البعض. عون الذي أطلق عليه جعجع أوصافاً عدّة متهماً إياه بأنه "مجرم" بحق مجتمعه في حين لم يقصّر عون باتهام جعجع بالإجرام أيضاً، القائدان اللذان لم يقرّبهما لا المنفى ولا الزنزانة إجتمعا بالأمس في مكان فسيح ومريح تحت عدسات الكاميرات المشدوهة بدورها لتخليد لحظة إستثنائية بين خصمين لدودين اجتمعا بلا وساطات ولا تدخلات ولا توسلات وأعلنا حلفاً ضدّ الماضي الدموي الذي جمعهما ولطّخ المسيحيين وتاريخهم بدماء هابيل التي سفكها قايين.
إنه شعور وجداني مسيحي بامتياز شعر فيه كلّ المسيحيين بالأمس سواء كانوا ينتمون إلى "القوات اللبنانية" أو إلى "التيار الوطني الحرّ" أو إلى "الكتائب اللبنانية" أو إلى "الأحرار" أو إلى المستقلين...
لكن، ماذا عن شعور عون وجعجع؟
من يعرف الرجلين يدرك أن اللحظة التي وصلا إليها بالأمس لم تكن سهلة على الإطلاق. ويطلق أحد المحللين السياسيين الموارنة الذي يعرف الرجلين على لقاء معراب أمس تسمية: "لقاء الحاجة والضرورة".
فالترشيح ليس إلا تفصيلاً يتوّج مساراً بدأ منذ قرابة السنة، لكنّ في اللاوعي لدى جعجع وعون ثمة صوت ضمير استيقظ متأخراً تجاه مجتمعهما الذي قاسى المرارة والويلات جرّاء خصومتهما الطويلة. ولعلّ الرجلان أرادا أن يتمّا مصالحة بينهما من باب إراحة الضمير تجاه مجتمعهما الذي تكبّد خسائر جمّة نتيجة التفسّخ والإنشقاق والعداوات، فطويا من دون أن يعلنا صفحة الماضي الحزين.
ماذا عن القراءة السياسية لهذا "التقارب الصدّمة"؟
يقول العارفون إنّ طريق "ورقة النوايا" التي بدأت عن طريق النائب ابراهيم كنعان ورئيس جهاز "الإعلام والتواصل" في "القوات اللبنانية" ملحم رياشي، وكانت في بداياتها بلا أفق واضح، حوّلتها الظروف الإقليمية والمحلية من مبادرة مشكوك فيها إلى مبادرة انقاذ يحتاجها القطبان المسيحيان.
في البداية تردّد العماد عون كثيراً في الحوار مع جعجع نتيجة الثقة المفقودة بين الطرفين، ولم تكن حال جعجع أفضل، وهو الذي طالما اعتبر عون شخصاً لا يمكن الركون إليه.
إلا أنّ التطورات الإقليمية والدولية دفعت الرجلين إلى التقارب الحتمي منذ مدّة، وذلك قبل أن يعمد رئيس تيار "المستقبل" سعد الحريري إلى طرح إسم سليمان فرنجية مرشحاً رئاسياً.
للتذكير: قدّمت "القوات اللبنانية" مع "التيار الوطني الحرّ" مشروعاً مشتركاً لإستعادة الجنسية وتحالفا ضدّ حضور أي جلسة نيابية ما لم تتضمن طرح قانون الإنتخاب الضروري بنظرهما لإعادة تكوين السّلطة.
ما الذي دفع الخصمين إلى هذا التلاقي؟
شعر الرجلان بحسب العارفين بأنهما استفادا من حلفهما مع "حزب الله" وتيار "المستقبل" إلى الحدّ الأقصى. فقد رشّح الحليف المسلم كلّ منهما للرئاسة الأولى، ولكن لا أحد منهما استطاع إيصال أيّ منهما إلى قصر بعبدا. شعر الرجلان بحاجة إلى خرق الجدار الذي وصلا إليه بعد عشرات الجلسات البرلمانية. وما زاد في قناعتهما الراسخة ما قام به سعد الحريري بهدف العودة إلى السلطة ولإعادة تكوين رأسماله الشعبي والسياسي ( ويضيف خصومه رأسماله المالي أيضا)، والذي أدّى به إلى ترشيح سليمان فرنجية رئيس تيار "المردة" في انعطافة سياسية مفاجئة.
هذا الترشيح (الذي لم يعلنه الحريري رسمياً بعد) شكّل صدمة كبرى لرئيس "القوات اللبنانية" الذي تربطه بآل فرنجية عداوة الدم، بعد اتهامه بقتل عائلة المرشح الرئاسي العتيد العام 1978. أدرك جعجع أن خطوة الحريري وضعت مصيره السياسي على المحكّ. من جهته، شعر العماد عون بأنّ المأزق الذي وصل إليه ترشيحه مدعوماً من "حزب الله" صار بحاجة إلى صدمة للتقدّم. تقاطع جعجع وعون عند هذه النقطة: فرنجية يشكل مصدر خصومة كبرى مع جعجع في الشمال الماروني، وهو في حال انتخابه يمتلك قدرة استقطاب هائلة للقاعدة المارونية بفعل موقعه والخدمات التي قد يغدقها على هذا المجتمع. أما عون فاعتبر أن وصول فرنجية مدعوماً من تيار "المستقبل" لا يمكن أن يمرّ بلا مواجهة لأنه سيشكل نهايته السياسية التي ستأتي على يد حليفه، وخاف عون أيضاً من أن ينجرّ حليفه الآخر، أي "حزب الله" في هذا الترشيح تحت عنوان أنه سيشكل مكسباً لقوى 8 آذار.
من هنا لوّح عون بالتقارب مع جعجع، ولوّح جعجع بالتقارب مع عون تحت عنوان عريض مفاده أن لا أحد يفرض على المسيحيين رئيس الجمهورية، خصوصا أن ما يزيد على 70 في المئة من القاعدة المسيحية ترفض هذا الترشيح.
هكذا ولد "لقاء الحاجة والضرورة" من خلال السلبية التي يحملها الطرفان لترشيح فرنجية.
يبقى السؤال الجوهري:علام يتفق "القوات" و"العونيون"؟
لغاية اليوم وبحسب المحللين المسيحيين لا يتفق الطرفان سوى على استعادة الجنسية للمغتربين، وعلى إقرار قانون للإنتخابات من دون الإتفاق على ماهيته بعد، إذ لا قانون موحّدا لدى الطرفين، وقد أضافا أخيرا إلى أجندتهما المشتركة بند ضرورة إجراء الإنتخابات البلديّة، وبالتالي فإن الأمر الوحيد الذي يجمع "القوات اللبنانية" و"التيار الوطني الحرّ" هو تضرر مصالحهما المشتركة من ترشيح الثلاثية المسلمة أي السنّة والدروز وجزء من الشيعة لسليمان فرنجية، ما يطلق عليه أحد المحللين المسيحيين تسمية "لقاء السلبيتين".
إلى أين سيؤدي هذا التحالف؟
إذا لم يؤد هذا التحالف بين القطبين المسيحيين الأقويين إلى انتخاب رئيس سيزيد الأمر من إحباط المسيحيين، بحسب أكثر من قطب مسيحي، وسيشكّل مدماكاً ليس للإنتخابات الرئاسية بل لإعادة النظر في اتفاق الطائف لجهة الشراكة بين الطوائف كلّها، لكنّ الأخطر بحسب بعض قراء السياسة اللبنانية، بأن يؤدي إلى اصطفاف طائفي يكسر فريقي 8 و14 آذار ليستحيل اصطفافاً إسلامياً مسيحياً من خلال مرشحين اثنين: فرنجية مرشح المسلمين وعون مرشح المسيحيين!