إعترف الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند بالأمس بعجز فرنسا عن إيجاد حلّ للفراغ الحاصل في السلطة في لبنان معلناً أن هذا الفراغ "مؤسف وقد يصبح خطيراً، وعلى ايران والسعودية المساهمة في إيجاد حل"، تصريح الرئيس "هولاند" جاء عشية زيارة يقوم بها الرئيس الايراني "روحاني" إلى باريس، وهي الأولى لرئيس إيراني منذ 17 عاماً، معرباً في الوقت عينه بأنه "على طهران "تقديم الدليل" على حسن ارادتها وان كل شيء سيتوقف على تطبيق الاتفاق حول ملفها النووي"،
إذاً "تقديم دليل"هو المطلوب من "ايران" إثباته حالياً "فعلاً وليس قولاً" من قبل فرنسا وغيرها من الدول المتوجسة من دخول ايران مرحلة رفع العقوبات عنها، وذلك ليس فقط فيما يخص الاتفاق النووي وإنما على مستوى ملفات المنطقة كلها. وفي هذا المجال شهدت الايام القليلة الماضية حركة مكوكية لكثير من مسؤولي الدول المعنية بملفات المنطقة العالقة، ومن ضمنها زيارة لوزير الخارجية الفرنسية لوران فابيوس الى الرياض تناولت موضوع "الرئاسة اللبنانية" لاسيما في ظل ما شهده هذا الملف من تطورات أخيرة على صعيد تأييد رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع لرئيس تكتل "الاصلاح والتغيير" العماد ميشال عون، واللذين خرجا فيه بانطباع يشير إلى "عدم نجاح هذه المبادرة"، بالطبع هذه الزيارة كان تلاها رسالة خطية من العاهل السعودي الملك "سلمان بن عبدالعزيز آل سعود" الى أمير قطر الشيخ "تميم بن حمد آل ثاني" تلقاها الاخير عشية زيارته الى موسكو للقاء الرئيس "فلاديمير بوتين" تناولت بدورها القضايا ذات الاهتمام المشترك.
هذا الحراك الرفيع المستوى لممثلي تلك الدول يشير إلى إعداد "طبخة "ما لملفات المنطقة المتأزمة، وتحديداً من قبل كل من فرنسا وقطر والمملكة العربية السعودية بالتنسيق مع روسيا نظرا للدور الكبير الذي تلعبه الاخيرة في المنطقة، وفقاً لما اقرت به وبخاصة كل من فرنسا وقطر. فبالرغم من المواقف الفرنسية المتشددة السابقة حيال روسيا حيث اعتبرتها عنصر توتر عند حدود اوروبا الشرقية وتأييدها السابق بقوة لفرض العقوبات التي فرضها الاتحاد الاوروبي على روسيا لاحتواء الطموحات الروسية في شبه جزيرة القرم واوكرانيا، إلا أنها عادت وعدلت مؤخراً في مواقفها معلنة "أنها أكثر من مستعدة الآن من باراك اوباما للتعاون مع الروس" على حد تعبير مسؤول دبلوماسي فرنسي رفيع لصحيفة "لوموند" الفرنسية، الأمر عينه انسحب أيضا على دولة قطر على لسان أميرها في بيان أصدره الكرملين مطلع الاسبوع الماضي إثر لقاء جمعه بالرئيس الروسي "بوتين" في موسكو جاء فيه ان" روسيا تؤدي دوراً مركزياً من اجل الاستقرار في العالم نريد فعلا تطوير علاقاتنا مع روسيا وايجاد حل لمشاكل الاستقرار التي تواجهها بعض بلدان منطقتنا"،
بالطبع لن تستثني هذه الطبخة الطبق اللبناني الذي يبدو أنه عاد للواجهة مجدداً وبقوة مع طرح مبادرات صادمة على خط الفراغ الحاصل في الملف الرئاسي، والتي تؤشر الى توجه النوايا إلى إحداث خضة موجعة في هذا الملف تصل الى حد دفع الطرف الحقيقي المعرقل لهذا الاستحقاق لقول "آخ " كبيرة والتسليم لصورة لبنان التي تبيتغيها بعض القوى الاقليمية والدولية للمرحلة المقبلة، والدليل على ذلك طبيعة المبادرتين الاخيرتين التي خرج بها الرئيس سعد الحريري بترشيحه الوزير سليمان فرنجية الصديق والحليف القوي للنظام السوري وتلك التي خرجت عن حليفه رئيس حزب القوات اللبنانية جعجع بإعلان تأييده لخصمه اللدود عدو الامس الجنرال ميشال عون وهو الحليف الاستراتيجي لحزب الله وللنظام السوري ايضا،
ربما علامة الاستفهام الكبيرة التي تطرح، أمام هذا الواقع، عن خلفيات هذا الترشيح او التأييد، مع علم واقرار كل من الطرفين الحليفين الحريري وجعجع بعدم امكانية وصول أي من المرشحين إلى سدة الرئاسة لأسباب عدة أبرزها يتعلق بالتركيبة السياسية اللبنانية والخلافات الراقدة فيما بينها كـ"الجمر تحت الرماد"، ولكن "ما من دخان دون نار" قصدت اشعالها القوى الساعية على خط الحلحلة في هذا الملف، فمن هي هذه القوى ومن هي الجهة المقصود لسعها بهذه النار؟
باختصار مبادرة سمير جعجع، على المستوى الخارجي لاقت الترحيب الأول على لسان وزير خارجية قطر "خالد العطية" معتبراً أن قرار ترشيح جعجع لعون بـ"الحكيم" مؤكداً أن "جعجع اخذ بعين الاعتبار مصلحة لبنان"، بالمقابل لم تبد المملكة العربية السعودية اي ترحيب واضح بهذا الترشيح مع استمرار الحريري في مبادرته بترشيح فرنجية. ربما ظاهر هذا الأمر يؤشر إلى وجود اختلاف في الرؤيا بين المملكة وقطر حول هذا الملف إلا أن الحقيقة لا يمكن قراءتها دائما من ظاهرها سيما مع عودة الحرارة الى العلاقات السعودية-القطرية والتي برزت في اكثر من حدث، من هنا ليس مستبعداً أن تكون تلك المبادرتين من صلب خليجي واحد قصدت من خلالها المملكة العربية السعودية وقطر وبتنسق روسي، أولاً حشر "حزب الله" في بيته الداخلي خاصة بعد اقتناعها بالموقف الايراني حيال الملف الرئاسي ووقوفه على الحياد لضرورات المرحلة تاركاً الامر لحزب الله لاتخاذ القرار المناسب بهذا الخصوص، في ظل استمرار سعيه لإعادة وصل علاقته مع المملكة العربية السعودية تحديدا والذي اظهره مسؤولوه في اكثر من مناسبة، والا فما كان يمنع ايران من دفع حزب الله لاقتناص الفرصة وتبني مبادرة جعجع والاحتفال "تطبيلا وتزميرا" بهذا الانتصار، وثانيا استبيان نوايا ايران ودفعها لتقديم دليل على حسن نواياها تجاه ملفات المنطقة انطلاقا من لبنان لما يشكل من حيثية للمملكة يشكل خاص.
لا شك أن صمت حزب الله حتى الساعة حيال مباردة جعجع الأخيرة وتريثه في اتخاذ اي قرار واضح بهذا الشأن يشير الى ان "حزب الله" واقع أمام خيارين أحلاهمها مرّ، فتبني ترشيح اي من الحليفين فرنجية أو عون سيؤدي إلى خسارته لأحدهما وما لذلك من تداعيات، وتركه أيضاً أمر الفصل في تأييد أي من المرشحين للتوافق "المسيحي- المسيحي" سيؤكد على صحة اتهامه بالتعطيل وإمعانه في استمرار الفراغ في سدة الرئاسة. لذلك الأرجح أن يبقى حزب الله ممتنعاً عن اتخاذ اي موقف واضح في هذه المرحلة فيما خص الملف الرئاسي لحين تكشف مصير "دَيْنه" الباهظ الذي دفعه في سوريا بعد انخراطه في الصراع الدائر فيها، هذا ما لم تلتقط ايران الإشارة وتعلن تدخلها الصريح عبر دفع حزب الله لتبني مرشح يطمئن ويحفظ مصالح الممكلة العربية السعودية في لبنان اولاً ومصالح حلفائها. والى حين حصول ذلك سيبقى الملف الرئاسي عالقا في دوامة الفراغ الى ان "يقضي الله أمراً كان مفعولاً".