إذا كانت إيران فوّضت الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله إدارة الإستحقاق الرئاسي اللبناني من دون تدخّل مباشر منها، فيبدو أن المملكة العربية السعودية من خلال سلوك "غضّ الطرف" فوّضت بشكل غير مباشر رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع إدارة الإستحقاق الرئاسي اللبناني بما يراه مناسبا ومن دون تدخّل منها.
تنطلق الرياض من مقاربتها الرئاسية من ثابثة وحيدة هي الحفاظ على وحدة اللبنانيين عموما والمسيحيين خصوصا، فهي مع الوحدة المسيحية واللبنانية الجامعة، لكنها لا تتدخل مباشرة في الموضوع الرئاسي ولا في خيار اللبنانيين مهما كان هذا الخيار.
قبلت الرياض بعرض رئيس تيار "المستقبل" سعد الحريري بأخذ الإستحقاق الرئاسي على عاتقه، على أن يقوم بجهد توافقي مع جميع الأفرقاء اللبنانيين وألا يهمّش أي مكوّن لبناني وخصوصا المسيحيين، فنال تفويضاً غير معلن بترشيحه لرئيس تيار "المردة" سليمان فرنجية للرئاسة، ولكنه لم يتمكن من إدارة المعركة بشكل متقن وكان إخراجه سيئا فوصل الى حائط مسدود.
بالعودة الى تفاصيل مبادرة الحريري- فرنجية، روت أوساط سياسية وديبلوماسية واسعة الإطلاع لـ"لبنان 24" أنّ رئيس حزب "الكتائب اللبنانية" سامي الجميّل شكّل "اللغم" الرئيسي لتفخيخ مبادرة الحريري- فرنجية.
في الوقائع أنّ الخطأ الأول للحريري كان في تجاهله رأي حلفائه، وفي طليعتهم رئيس حزب "القوات اللبنانية" الدكتور سمير جعجع، وفي القفز أيضا فوق مرجعية البطريرك الماروني الكاردينال بشارة الراعي، إذ كان ينبغي أن يأتي ترشيحه لفرنجية من خلال البطريركية المارونية على الأقل، وكان عليه أن يزور البطريرك هو ورئيس المجلس النيابي نبيه بري والزعيم الدرزي وليد جنبلاط.
وقد انحصر دور السعودية في أنها تبلغت من الحريري أنه مع جنبلاط وبري يرشحون زعيم تيار "المردة" سليمان فرنجية الذي يحظى بغطاء مسيحي. ويبدو أن "اللغم" الذي وضعه في طريق الحريري كان من قبل رئيس حزب الكتائب سامي الجميل الذي وعد الحريري بأن يسير في تأييد ترشيح فرنجية حتى النهاية، ولكن يبدو أنّ سامي الجميل عاد وتراجع عن وعده. ولما سئل عن الموضوع قال أن هذا الأمر صعب جدا لأنه لا يستطيع أن يخالف الإجماع المسيحي وإلا فإن "بيت الكتائب" في الصيفي سوف يغلق الى الأبد.
وأعرب الجميل أن "الكتائب" لا يمكنها أن تذهب لوحدها الى البرلمان لانتخاب فرنجية، والأمر ذاته حصل مع بعض المستقلين، ومنهم النائب بطرس حرب الذي أعرب أمام محدثيه بأنّه جزء أساسي من قوى 14 آذار ولكنه لا يستطيع أن يتفرد باختيار رئيس ماروني في حين أن التيار المسيحي الجارف قواتياً وعونياً لا يؤيد هذا الخيار.
هكذا سقط رهان الحريري- فرنجية على "حزب الكتائب" لأن الحزب المسيحي العريق لا يستطيع الخروج من العباءة المسيحية، وهو بحسب العارفين حائر بين موقفه السياسي المؤيد لفرنجية وبين تركيبته المسيحية الصرفة وبين جغرافيته الإنتخابية التي لا تسمح له بالتغريد خارج سرب الأكثرية المسيحية في جبل لبنان، وخارج السوسيولوجيا الطائفية السياسية المارونية.
عند هذه النقطة توقف مسعى الحريري ولا تزال السعودية على موقفها، فهي لم تقترب ولم تبتعد عن هذا الخيار وهي مع اي خيار لبناني. والسؤال المطروح اليوم ما الذي سيفعله المسيحيون بعد ان رشح جعجع عون وأحرج "حزب الله" بشكل كبير؟
فهل يكون سمير جعجع أذكى وأكثر حنكة من الحريري فيحسن إدارة التفويض السعودي غير المباشر له؟ وهل بات جعجع ندّا للسيد نصر الله من حيث التأثير في الإستحقاق الرئاسي اللبناني؟
لغاية اليوم لا إجابات سعودية مباشرة على هذا الموضوع لسان حال الرياض بحسب الدوائر المطلعة أنها لم تتبن ولم ترفض أية مبادرة وهي مع الوحدة اللبنانية ومباركة للوحدة المسيحية وهي متشبثة بخطابها الذي يشير منذ الأساس الى أن هذا الإستحقاق مسيحي ولبناني بامتياز، وكما تعاملت مع مبادرة الحريري فإنها تتعامل الآن مع مبادرة سمير جعجع لكنّها لا تتدخل لا سلباً ولا إيجاباً، فما يتفق عليه اللبنانيون هي مستعدة للسير فيه وتبنيه، مع إشارة رئيسية الى أن مباركة خيار العماد ميشال عون أمر لا إجابة سعودية عليه البتّة، لأنه بنظر الرياض سابق لأوانه ومتروك لوفاق اللبنانيين.