سخط وغضب ونقمة وانعدام ثقة... هذه هي حال معظم اللبنانيين بعدما جعلت "تالاسا" زيارتها إلى لبنان خاطفة و"خفيفة". على مواقع التواصل الإجتماعي، "يسكب" المواطنون مشاعرهم، وأصابع اللوم تصوّب، كالعادة، نحو الإعلام. فمن المسؤول حقاً، أهي العاصفة بحدّ ذاتها، أم وسائل الإعلام... أم الرأي العام؟
نسأل جيل ما قبل "السوشيل ميديا": هل كانوا يتداولون أخبار الطقس بهذا الزخم، وكيف كان يتعاطى الإعلام معها؟ لعلّ أكثر من يبدي استياءه من الواقع الراهن، هم هؤلاء: "كل عمرها تثلج وتشتي بلبنان، واكثر من هيك"! بيد أنهم يقرّون بأن العلم تقدم بحيث بات ممكناً معرفة الأحوال الجوية لفترة تتخطى اليومين كما كان في السابق. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإنّ وسائل التواصل الحديثة تساهم في نشر هذه الأخبار على نطاق اوسع وبسرعة أكبر.
يبدو واضحاً إذاً، أنّ لمواقع التواصل الإجتماعي الدور الأساس في جعل أخبار الطقس تتقدم على ما سواها من أخبار متنوعة. هنا حيث تتكاثر الصفحات التي تعنى باخبار الطقس وتحديثاته المتواصلة على مدار الساعة، ومنها ما يستند إلى العلم فيقدم المعلومات بطريقة حرفية ودقيقة، ومنها ما هو متطفل يهوى "لايكات" الشهرة، فيضخّ تهويلاً ومبالغة وتسرعاً. ولعلّ اكثر ما جذب الرأي العام الى هذه الصفحات، هو الأسلوب الجديد الذي تعتمده، والذي يختلف نوعاً ما عمّا كان سائداً.
فمصلحة الأرصاد الجوية ومصلحة الأبحاث الزراعية ونشرات الطقس في الإعلام التقليدي، وعلى رغم جهودهم الملحوظة لتوخي الدقة وإصابة الحقيقة في ما يقدمونه، يكتفون بما نصفه "بالعموميات"! كأن تتراوح درجات الحرارة بين 10 و15 درجة، أو أن يكون الجوّ غائماً وبارداً، والبحر هائجاً. لم يعد هذا الأمر كافياً مع وجود جهات تحدد بل تتوقع كمية المتساقطات في كل بلدة، بل تقوم بتحديث اخبارها من "قلب الحدث... والعاصفة".
ولأنّ "السوشيل ميديا" باتت في كثير من الأحيان مصدراً لوسائل الإعلام التقليدي بل مرجع وضرورة لا بدّ منها، يصبح من غير المعقول أن يُهمل ما يُتداول على "فيسبوك" و"تويتر" وغيره، فيقوم بنقله كما جاء (وهذه من وظيفة الإعلام)، من دون ان يُغفل نشر النشرات الصادرة عن الجهات الرسمية... فهل يكون الإعلام مسؤولاً عن التضخيم والتهويل والمبالغة؟!
ولكن، حتى التوقعات والنشرات العلمية التي صدرت عن المعنيين والمتخصصين لم تصب، كما لوحظ مع "تالاسا". بالنسبة الى هؤلاء، فإنّ الأمر طبيعي، ذلك أنّ عدّة عوامل قد تؤثر في تطوّر العاصفة ومسارها.
اليوم شرح الإعلامي يزبك وهبة ما حصل فكتب: "كانت التقديرات تشير إلى أنّ نِسَبَ تساقط الثلوج ستكون أعلى ممّا شهدناه، إلّا أنّه ومنذ يوم السبت بدا واضحاً، بحسب الخرائط الجوية أنّ الكتلة القطبية الباردة المتجهة نزولاً كانت أقوى من الكتلة الرطبة، وبالتالي ساهمت الرياح الشمالية الباردة في إبعاد الغيوم المشبعة بالرطوبة في إتجاه شمال مصر، والتي كان من شأنها لو استمرت شمال شرق قبرص أن تحمل الكثير من الثلوج فوق مرتفعاتنا المتوسطة حتى."
على أيّ حال، فإنّ ما يحصل في لبنان مما يسمى بفوضى ينسحب على الدول المحيطة، ومنها الأردن وقد تناولت الصحف هذا الموضوع اليوم لتخلص إلى دعوة مرصد الأحوال الجوية بالتطور لمواكبة الواقع.
أمّا في ما يخصّ قرارات وزير التربية باقفال المدارس أثناء العواصف فموضوع هو أيضاً يستحق معالجة هادئة بعيداً من الإنفعالات والأحكام المسبقة. فـ "محبوب الطلاب" يقع فعلاً في حيرة من أمره، فاذا ما اغفل الموضوع وحصلت أي حادثة (حوادث على الطرقات أو صقيع في المدارس) فسوف يلام ويتهم بالتقصير، وإذا عالج الموضوع بما يراه مناسباً، تصب عليه نقمة الأهل والمعلمين. وبين الحالتين، ثمة من يطالبه، وجميع وزراء هذه الحكومة، بالعمل على معالجة المشكلة الأساسية، فبدل التعطيل أليس من الأفضل تجهيز المدارس بوسائل التدفئة؟
في كلّ الأحوال، ليس دقيقاً أنّ اللبنانيين يظلمون من قبل الإعلام وأخبار الطقس أو أنّهم يتخبطون هلعاً وذعراً بسبب العواصف. على الأرجح، هم اعتادوا المفاجآت والتوقعات. الـ "اكشن" دائما مطلوب ومرغوب!