في حين يتخبّط السياسيّون في مضاعفات الترشيحات الأخيرة للرئاسة، باحثين عن رئيس للجمهورية في المبدأ، ورافضين فعلياً خوض العملية الإنتخابية ما دامت حظوظ مرشحهم بالنجاح غير مضمونة، وعلى رأسهم المرشحون أنفسهم، تبحث الأوساط الديبلوماسية عن طرق مجدية لتفعيل المسألة الرئاسية وكسر الحلقة المفرغة التي يدور في فلكها أهل الحكم في لبنان.
وفي أوساط السفارة الأميركية تحديداً إرادة واضحة لتفعيل مسار الانتخابات الرئاسية اعتقاداً بأنّ الفراغ الرئاسي والشّلل في مؤسسات الدولة عموماً يخنق النظام الديمقراطي، الذي بحسب مصادر ديبلوماسية بارزة قريبة من عوكر، تلقّى أولى الضربات الموجعة ضدّه عندما قرّر مجلس النواب التمديد لنفسه، متجاوزاً بذلك ضرورة إصدار قانون جديد للانتخابات النيابية وإعادة احياء النظام الديمقراطي من خلاله. والملفت في حديث هذه الأوساط التركيز على هاتين النقطتين الأساسيتين كمدخل لإنعاش الحياة السياسية، أي موضوع انتخاب الرئيس العتيد وضرورة إقرار قانون جديد للانتخابات الرئاسية يؤدي الى تجدّد الطبقة السياسية بما يؤّمن تمثيلاً صحيحاً ومنصفاً للجميع.
وقد تختلف الأساليب في التعاطي بالملفات والاستحقاقات اللبنانية مع كل سفير يتولّى إدارة الشؤون الديبلوماسية في عوكر بحسب نظرته للأمور وتفاعله معها، وهو هامش تباين ضئيل بين مسؤول أميركي وآخر في السفارة، إنما الأساس في النظرة الأميركية الى الوضع اللبناني ككلّ تبقى هي هي، والأوليات لا تزعزعها المقاربات لها على تنوعها، وعلى رأسها الاستحقاق الرئاسي. فالسفير السابق ديفيد هيل عمل جاهداً على تصويب المسار الرئاسي، وقيل عنه انه أحد مهندسي المبادرة الباريسية، الى درجة انّ البعض اعتبره منحازاً الى رئيس تيار "المردة" النائب سليمان فرنجية. وقد لا يكون لريتشارد جونز، القائم بالأعمال في السفارة حالياً، والذي خدم كسفير اسبق للسفارة في منتصف التسعينات، النهج نفسه، إنماء يبقى الاهتمام بموضوع الرئاسة هو الشغل الشاغل لقاطن عوكر، والتركيز يتمحور، كما يقول جونز، لا على شخص الرئيس بل على اجراء العملية الانتخابية. ومن المرجّح ان يبقى جونز، الذي يحلّ حالياً مكان السفير الأميركي نظراً إلى عدم إمكانية توليه منصب سفير لبلاده مرتين في البلد نفسه، الى حين إنجاز هذه المهمّة، وهو الخبير في شؤون لبنان والمنطقة.
ويبدو أن الآراء في واشنطن تختلف حول الرئيس والرئاسة في لبنان، حيث يتتبّع المسؤولون بدقّة تطورات الأمورفي الداخل اللبناني وفي المنطقة. وإذ يُعتبر فرنجية المرشّح والحليف الأقرب الى الرئيس السوري بشار الأسد والى المحور الإيراني، مما يثير بعض التحفظات عليه، قد تكون النظرة الى عون أخفّ حدّة من هذا القبيل نظراً إلى ما قد يعتبره المسؤولون في الادارة الأميركية تقارباً حديثاً وتحالفاً آنياً مبنياً على مصالح مشتركة أكثر منه على مبادئ مطلقة بين عون وهذا المحور. إنما لا تنسى واشنطن أن عون كان مسؤولاً عن الأحداث التي أدّت الى إخلاء السفارة الأميركية في أواخر الثمانينات، تحت وطأة التظاهرات الجمّة ضدّ "الوحش الأكبر" الذي دعا اليها آنذاك "الجنرال"، وفي حينها كان رئيساً للحكومة الانتقالية التي شكلت مع انتهاء عهد الرئيس أمين الجميل، وذلك احتجاجاً على سياسة الولايات المتحدة، وفي ذلك علامة سوداء في تاريخ العلاقات بين عون وواشنطن.
ولكن، وعلى رغم هذه الاعتبارات، تبقى الولايات المتحدة متمسكة بمبدأ انتخاب الرئيس ولا مانع لديها من ان يرسو الخيار على أحد هذين المرشحين. وسوف تشجّع على إنجاز المهمّة من خلال تحركات جونز من عوكر، وهو الذي بدأ اتصالاته مع المسؤولين المحليين أبّان عودته من واشنطن منذ حوالي العشرة ايام. وتنتظر واشنطن من فريق ٨ آذار أن يوحّد قراره بالنسبة الى مرشّحه الرئاسي، وهي تراقب "حزب الله" لترى إذا كان سيلعب دورا فعالا وجدّياً في هذا الإطار. ولا تستبعد الأوساط ان يصبّ قرار بعض الجهات في ١٤ آذار في اتجاه غير منتظر، مبدّلة بذلك المعادلات والحسابات الانتخابية، ومبقية الساحة مفتوحة على شتّى المفاجآت ليكون أكبرها انتخاب رئيس في نهاية المطاف.