لا يندرج في إطار الصدفة توقيت استعادة النظام السوري لبلدة سلمى، قبل أيام من انعقاد جنيف 3. فلعاصمة "ثوار الساحل" أهمية استراتيجية كبيرة، وهي التي بقيت عصية على النظام طيلة 3 سنوات، فشكلت أكبر وأهم معاقل المعارضة في جبل الأكراد، واستلزم سقوطها ثلاثة أشهر من المعارك للسيطرة على التلال المحيطة بها، وهجوماً من أربع جبهات في الوقت نفسه بغطاء من أسراب "السوخوي" التي أمطرت البلدة بمئات الغارات. انتصارات ميدانية أخرى سجلتها الآلة الحربية الروسية في كلّ من ربيعة والشيخ مسكين في درعا.
الدعم الروسي لم يقتصر على سلاح الجو بل تعدّاه إلى قوات برية روسية مساندة للجيش السوري وحلفائه. وهذا الوضع الميداني المستجد جعل وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف يعلنها صراحة "التحرك الروسي ساعد على قلب الأوضاع في سوريا وعلى تحويل الدفة".
انطلاقاً من هذه الوقائع أيضاً، يمكن فهم الإتهامات التي تُوجه إلى روسيا بأنها تقاتل ضّد فصائل المعارضة وليس ضد تنظيم "داعش". والمشهد الميداني برمّته يندرج في إطار جدول عمليات جديد، بدأ يظهر منذ مطلع العام الجديد وبعد جمع المعارضة في مؤتمر الرياض، وأولى طلائعه تمثلت باغتيال زهران علوش، استناداً إلى مقاربة المحلل الإستراتيجي العميد المتقاعد ناجي ملاعب، الذي ينطلق من الوقائع الميدانية والهجمات الجديدة التي شرع الجيش السوري بتنفيذها في عدة مناطق، ليشيرعبر "
لبنان 24" إلى أجندة جديدة بدأ الميدان السوري بترجمتها، وتتناغم مع الهدف الأساسي لدخول الطيران الروسي المجال الجوي السوري، والمتمثل بتحرير الطرقات الدولية ما بين المحافظات والسيطرة على جبل الأكراد، وتحقيق الإنتصارات الميدانية قبل انطلاق جولة جديدة من مؤتمر جنيف. "أمّا الأهمية الإستراتيجية لسقوط سلمى فتكمن في السيطرة على مرتفعات جبل الإكراد، الأمر الذي من شأنه تحرير الطريق المؤدية إلى خان شيخون، والهدف المستقبلي تحرير طريق اللاذقية – حلب".
هل تدخل معركة استعادة سلمى في إطار الدويلة العلوية المفترضة؟
يستذكر العميد ملاعب خطاب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أمام مؤتمر للسفراء الأتراك في دول العالم، والذي انعقد في أنقرة قبل اسبوعين، حيث اتهم أردوغان روسيا بأنها لا تحارب تنظيم "داعش" في سوريا، بل تحاول إقامة دويلة سورية في اللاذقية ومحيطها، وتستهدف المقاتلين التركمان الذين يحاربون في ريف اللاذقية، متسائلاً بدوره: "هل يعمد النظام إلى تحرير المناطق التي تصب في هذا الإتجاه ؟ فالسيطرة على جبلي الأكراد والتركمان من شأنها أن تؤمّن الحماية المطلوبة للمنطقة العلوية الساحلية".
ماذا عن الدور التركي حيال التطورات الميدانية ؟
"استهداف الجبلين يعني تركيا بشكل مباشر، والتركي الذي شُغل مؤخراً بانفجار اسطنبول، سيسعى إلى تحقيق هدفه بإقامة المنطقة الآمنة لتأمين هدفين: تمركز مركز قرار المعارضة السورية في هذه البقعة، وتأمين غطاء جوي لها كتوطئة لإنطلاق معارضة قوية ضدّ النظام، كما أن محاربة تنظيم "داعش" بالنسبة إلى تركيا أصبح في سلم الأولويات، ويوازي اهتمامها بمحاربة حزب العمال الكردستاني".
يضيف ملاعب "القرار بيد الولايات المتحدة الأميركية التي تعمل على إغرق الروس أكثر في المستنقع السوري، ليثبتوا لهم عدم جدوى وجودهم". وفي هذا السياق يلفت ملاعب إلى حجم الدعم العسكري الذي حظيت به المعارضة عند دخول السلاح الروسي "عندما دخل الروسي بقضّه وقضيضه في المعمعة السورية، شهدنا إنزال أسلحة أميركية وذخائر بشكل مباشر، تجاوزت الحدود التركية والأردنية وكافة الحلفاء، ومدّت المعارضة بأسلحة وذخائر وصواريخ متطورة، مما أعاق حتى اليوم تقدم الجيش السوري وحلفائه على جبهات القتال".
إذن، لا يستغرب العميد ملاعب كيف سقطت هذه المواقع الإستراتيجية بيد النظام، بل كيف صمدت كلّ هذه الفترة في وجه آلة حربية عابرة للقارات والحدود" فالإعلام الذي يدور في الفلك الإيراني ومنذ دخول الروس يشير إلى غرفة عمليات من أربع قوى، روسيا ايران سوريا والعراق، و"حزب الله" استفاد من دعم قوي وتدريبات لعناصره على استعمال صواريخ موجهة بالليزر، كما كشف موقعكم "لبنان 24"، وبدأت الهجمة القوية مدعومة بغطاء جوي، وكلّ ما يحصل يشكل مؤشراً على أنّ الروس أخذوا قرارهم بالسير وفق أجندة جديدة".
ملاعب يتوقع عاماً صعباً في سوريا، مسار الأحداث فيه يتوقف على مدى الدعم المتوافر للمعارضة، "الحرب الباردة في أوجها وسوريا إحدى ميادينها، فضلاً عن أوكرانيا وجورجيا وأذربيجان ومناطق أخرى من الكرة الأرضية ، وحرب أنابيب النفط والغاز لها كلمتها أيضاً".