ألهبت الإطلالة التلفزيونية للسيد حسن نصر الله الساحة المسيحية. فأصداؤها وتردداتها مازالت فاعلة عند الأطراف المعنية رغم البعد الزمني، وهي أيضاً تلقي بظلالها على سياق الفراغ الرئاسي الذي يبدو أن أمده بات بعيداً جداً. ووفق المعنيين، فإنّ هذه الإطلالة حسمت موقف الحزب لناحية تأكيد ترشيح العماد ميشال عون، ولكنها أبقت النائب سليمان فرنجية مرشحاً محتملاً ما زاد من تعقيد الأمور.
الأمين العام لـ "حزب الله" حاول التوفيق بين الحليفين فوصف فرنجية بنور العين، وكرّر تمسك حزبه بدعم ترشيح عون، مستدركاً أنّ الحزب غير قادر على فرض خيارات على حلفائه في عبارة شديدة الدلالة لمن يعنيهم الأمر. ولكن هذا الموضوع أشعل المواقف عند الجانب المسيحي، مع العلم بأنّه قد يحمل تفسيرات أخرى، منها أنّ السيد نصر الله ربما قصد حليفه الرئيس نبيه برّي لكون الأخير جاهر بعدم تأييده عون. وهذا أمر يبدو طبيعياً في ظل حالة المراوحة في ملف دقيق وحساس ومصيري في لبنان وهو إنتخاب الرئيس.
الوزير فرنجية، سارع بعد الإطلالة لعقد جلسة إعلامية ألقى خلالها بكرة اللهب صوب الرابية، كاشفاً عن مساومات "القوات" بما يتعلق بقطع الطريق على العميد شامل روكز بالوصول لقيادة الجيش وهو العالم بالحساسية العائلية التي يثيرها هكذا موضوع. أمّا الجنرال ميشال عون فأوعز لنوابه بالصمت المطبق غير أنّ غيرة "القوات" دفعت بالنائب أنطوان زهرا نحو أحد مطاعم العاصمة للردّ على جلسة فرنجية الإعلامية بجلسة أخرى وبهجوم غير مسبوق.
من جهته، دخل رئيس حزب "الكتائب" سامي الجميّل، المنازلة من زاوية أخرى عندما جمع عدداً من الإعلاميين في الصيفي، وقال كلاماً متقدماً مفاده بأن "الكتائب" لن يسير بمقولة الرئيس القوي دون معرفة ماهيّة هذه القوة ومصدرها، غامزاً بذلك من ترشيح العماد عون دون أن يطوّر موقفه تأييداً لترشيح فرنجية.
اللافت بالملف الرئاسي هو ما نقله زوار الرئيس نبيه بري وما تضمنه صالونه السياسي من أحاديث، فقد كشف أحد الوزراء لـ "لبنان 24" أن أسئلة كثيرة متعلقة بإمكانية تأمين النصاب القانوني في جلسة 8 شباط الموعودة لم تحظ بإجابات شافية من رئيس المجلس سوى احتساب أصوات النواب بين عون وفرنجية على أن هذا التحليل الذي سرّبته وسائل إعلامية لن يتخطى عتبة مجلس النواب في ساحة النجمة طالما أن الإنطباع العام لا يوحي بجلسة إنتخاب رئيس بالمدى المنظور.
كما أشار الوزير المعني في سياق تفسيره لأحاديث بري عن مفصلية جلسة 8 شباط بأن كل الإحصاءات والأرقام دلّت على تقدّم حظوظ فرنجية، وبالتالي فالقول إنّ كتلة التنمية والتحرير جاهزة للتصويت يدخل من باب الزكزكة السياسية لا أكثر ولا أقل.
والأهم، في أحاديث بري، وفق ما نقلها زواره، ليس انقسام النواب بين مرشحي "8 آذار" بقدر الملاحظات التي دارت بين الحاضرين المتعلقة بمصالحة عون – جعجع والتي أجمعت على أنّ مفاعيلها مسيحية بامتياز وتتعلق بحسابات الطرفين وتحالفاتهما كما مستقبلهما السياسي، فعون يسوق نفسه إنطلاقاً من إعتباره المرشح القوي مسيحيا بلا منازع في حين يجهد جعجع إلى انتزاع ثنائية سياسية عبر مصالحته مع عون تؤمن ثقلاً مسيحياً في الإنتخابات الرئاسية كما في إستحقاقات سياسية أخرى على غرار تجربة حركة أمل – حزب الله، هذا الأمر لم يثر حفيظة فرنجيبة فحسب بقدر ما أثار شخصيات وفعاليات مسيحية لها وزنها وثقلها تصرفت وكأن لقاء الرجلين أتى لصالح إختزال خيار المسيحيين بشخصيهما فقط.