استطاعت القوى المهيمنة على المنطقة خطف أنظار الرأي العام العربي والغربي عن لبّ الصراع الدائر في سوريا، آخر معقل لموجة الربيع العربي التي اجتاحت الدول العربية منذ العام 2011، لتوجِهها نحو عنوان "مواجهة التنظيمات الإرهابية" والقضاء عليها، محللّة لنفسها بذلك اختراق سيادة هذه الدول وحدودها ومقدراتها، إلا أن حقيقة هذا الصراع، كشفه الميدان الدبلوماسي والعسكري الحاصل مؤخراً. فالواقع الميداني السوري ومراحل التفاوض التي كسرت بـ"جنيف 3" الجدار الدولي العازل عن النظام السوري عبر القبول بجلوسه على طاولة حوار واحدة مع ممثلي المعارضة برعاية أممية، وإن لم تتوصل إلى نتائج إيجابية، إلاّ أنها أكدت أن مرحلة الصراع الداخلي السوري بين النظام السوري والقوى المعارضة انتقلت من "الميدان" إلى "الطاولة"، وإن ما يدور من معارك هو ليس سوى مرحلة "تنظيف" الساحة من التنظيمات الإرهابية في المفاصل الحساسة المحيطة لبعض المناطق ذات الحيثية الإستراتيجة، وما حصل مؤخراً في مدينتي "النبل" و"الزهراء" في ريف حلب اللتين تبعدان 15 كلم عن تركيا أسقط ورقة قوية من يد تركيا بطريقة غير مباشرة، من إمكانية اللعب مجدداً بالميدان السوري عبر فصل حلب وبالتالي إنشاء منطقة آمنة.
المشهد السوري القائم حالياً يقود إلى رؤية جديدة للصراع السوري وهو ينتقل من مرحلة الإفتراس المتبادل بين طرفيه لكل مقدرات البلد الى مرحلة توزيع المغانم من جيفة مهترئة، وأمام هذا المشهد فإن التفاوض الحاصل مؤخراً على خط "جنيف" تحديداً، ليس سوى تفاوض "شكلي" على بنود متواضعة بين قوى "لا حول لها ولا قوة" طالما كل من طرفيها تتحكم به قوى إقليمية ودولية كبرى، حيث أن أقصى درجات المرتجى المطلوب من هذا التفاوض لا يتعدى إسكات الطرفين وليس حتى إرضاءهما، وذلك ريثما تنضج أوراق التفاوض الحقيقية بين الأطراف الحقيقيين المتحكمين بالملعب السوري أي القوى الإقليمية والدولية الكبرى الحاكمة بأمر خيوط الصراع في المنطقة.
وربما في هذا الإطار تطرح علامة استفهام كبيرة حول بنود التفاوض الحقيقية والمؤثرة في حلّ الصراع السوري والتي لاشك أنها تتخطى عنوان "القضاء على الإرهاب" المطاط في مدّته ووسائل معالجته والجهات المقصودة فيه أو حتى مسألة إقصاء رأس النظام وفريق عمله.
لا شك أن القوى الكبرى اللاعبة على خطوط نار المنطقة لم تكشف بعد عن بنود التفاوض الحقيقية على خط الأزمة السورية حيث مازالت تلك البنود مستورة بانتظار انطلاق صفارة الحل الحقيقي على طاولة تفاوض، على مستوى وزراء خارجية الدول الكبرى برأسيها الأميركي والروسي، إلا أن المُطلع على مقومات سوريا القوية عبر التاريخ والمراحل السياسية والاقتصادية التي مرت بها لاسيما في عهد الرئيس الراحل "حافظ الاسد" يجد أن النظام السوري بني على مؤسسة عسكرية "عقائدية طائفية" ذات أبعاد طائفية أسرية وذلك بتنسيق مع الاستخبارات الايرانية ترافق ذلك مع إرسال مجموعات من الشباب السوري ذات لون مذهبي معين إلى إيران لتلقي التعليم مقابل إنشاء مكاتب تمثل آيات قم وطهران في سوريا، هذه البنية العقائدية الطائفية شكلت ورقة قوة بيد النظام أثبتت قدرتها على الصمود نوعاً ما طوال الخمس سنوات الماضية، أضف إلى ذلك الاقتصاد السوري القائم على النفط والقمح والقطن والذي استطاع الى حدّ ما أن يبقى متماسكاً بالرغم من الحصار الدولي الذي فرض عليه مؤخراً،
هذه المقومات التي وإن لم يظهر النقاش حولها إلى العلن، إلا أن الهواجس حولها، لا شك انها تدور في أذهان الطامحين إلى انتزاع نفوذ شرعي لهم في سوريا، وربما على رأسهم روسيا التي لاشك ايضاً انها غير غافلة عن أهمية انتزاعها، من خلال طرحها كبنود تفاوض على طاولة التفاوض الكبرى، وربما هذا ما يفسر الاندفاعة الروسية الميدانية مؤخراً في ريف حلب بالتزامن مع طاولة "جنيف 3" حيث اتهمها الأمين العام للأمم المتحدة "بتقويض المحادثات بسبب تصعيدها العسكري المفاجئ في سوريا"، بالطبع لم تتنكر روسيا لاندفاعتها تلك، بل على العكس أكدت على لسان وزير خارجيتها سرغيه لافروف على أن "الضربات الروسية لن تتوقف طالما لم تهزم فعليا تنظيم الدولة الإسلامية وجبهة النصرة" محدداً في الوقت عينه سقف لمطلب قوى المعارضة بوقف اطلاق النار بأنه "ليس هناك ما يدعو الى تحقيق هذه الغاية" ومشترطاً على الحكومة التركية باغلاق حدودها مع سوريا وهو بدوره يبدو شرطا تعجيزيا.
هذا الإستشراس الروسي الميداني ربما يفسر خشيتها من ضياع ورقتي قوة النظام السوري الذي يتشارك فيها مع ايران وهي: المؤسسة العسكرية والاقتصاد الذي بدأت سوريا مؤخراً تتحضر له عبر زيارة سيقوم بها وزير الاقتصاد السوري إلى ايران مع وفد من رجال الأعمال السوريين في اطار مراجعة النظرة الى ايران ضمن مقاربة اقتصادية جديدة.
إلا أن ابعاد الاستشراس الروسي هذا يبدو أن رائحته وصلت الى الرأس الأميركي حيث لم يخف امتعاضه من الخطوة العسكرية الروسية الأخيرة في سوريا والذي ظهر في تصريح لوزير الخارجية الأميركي "جون كيري" مؤخراً، اتهم فيه النظام السوري وحليفته روسيا "بالسعي إلى حل عسكري بدلاً من إتاحة المجال أمام التوصل إلى حل سياسي"، معتبراً أن هجوم الجيش السوري، مدعماً بالضربات الجوية الروسية يهدد العملية السياسية"
إذا، إن مرحلة التفاوض الجدي لم تبدأ بعد طالما لم تفرد بنود التفاوض الحقيقية مضافا إليها بند النازحين السوريين على الطاولة، وحتى بلوغ هذه المرحلة يبدو أن مسيرة الصراع السوري سنتقل الى مرحلة جديدة لن يبقى "زمام الأمر" فيها بيد روسيا طويلاً، خاصة فيما إذا استمرت بالخروج عن خطوط التنسيق مع أميركا والخطة المشتركة التي بدءاً نسجها منذ بزوغ فجر الاتفاق النووي.