يشكّل حلف معراب بين الجنرال ميشال عون ورئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع محطة جديدة على أكثر من صعيد، وتكثر التساؤلات حول تعامل باقي الأفرقاء السياسيين معه، وعلى رأسهم "حزب الله" الذي يجد نفسه في موقف ملتبسٍ أحيانا بين تحالفه ودعمه المطلق لـ"الجنرال" وتقارب هذا الأخير من عدوّ الأمس في العقائدية للحزب وخصمه اليوم في السياسة الاستراتيجية. وإذ يحبّذ "حزب الله" المصالحة المسيحية وطي صفحة الماضي الدامية بين الفريقين المسيحيين، الا أن بعض أوساطه تصرّ على أنّ الوقت ما زال مبكراً لفتح قنوات تواصل مباشرة بين حارة حريك ومعراب كما يسعى اليه "الحكيم".
واهتمام جعجع بالتقارب من "حزب الله" ليس بالجديد ولا بالمستغرب، اذ من الطبيعي أن يطمح الحكيم الى فتح صفحة جديدة مع فريق هو في صميم التركيبة اللبانية ويشكّل احدى مكوناتها الأساسية، وبالتالي قد يكون له التأثير المباشر على مستقبل جعجع وطموحاته الرئاسية. ويشاع أنّه سبق لـ"القوات" أن طلبت من تيار "المردة" السعي لانشاء خط تواصل بين معراب وحارة حريك أثناء المشاورات التي سبقت التسوية الباريسية بين الطرفين المسيحيّين، وهو ما تنكره "القوات" وتؤكده أوساط مقرّبة من بنشعي، الا انّ تيار "المردة"، وان وافق على مبدأ هذا الطلب الا أنّه رفض تلبيته قبل أن تقدّم "القوات" شيئاً ملموساً في موضوع دعم رئيس "المردة" النائب سليمان فرنجية للرئاسة، وهذا ما لم يحصل، وأدّى بالتالي الى إقفال هذا الملفّ من أساسه.
ولاحقاً، تقدّم جعجع بالطلب نفسه من عون أثناء عملية التقارب بينهما، وثمة من يجزم أن السعي الى فتح قنوات تواصل بين "القوات" و"حزب الله" هو بمثابة بند غير معلن من اتفاق معراب، أي أنّه في صلب الاتفاق بين الطرفين. ويسعى عون حالياً الى خلق مناخ ملائم لهكذا مشروع، الا أن لدى الحزب بعض التحفظات والشروط للمضي قدماً به، ومنها إصراره على إيجاد حلحلة ما لملفّ اغتيال الرئيس رشيد كرامي، الذي أُدين جعجع فيه. فالوقوف عند خاطر فيصل كرامي يشكّل ممرّاً إجبارياً للعبور الى حارة حريك، وهذه فكرة أساس يبدو الحزب متمسّكاً بها وسوف يعمل على التسويق لها.
وإذا كان صحيحاً أنّ لـ"القوات" ورئيسها تحديداً مصلحة أو مصالح في التقارب من "حزب الله"، الا أنّ للحزب أيضاً اعتبارات معيّنة قد تدفع به لإيجاد معادلة مقبولة مع "القوات" كمدخل لعلاقة مفيدة مع هذا الفريق. ومن ضمن هذه الاعتبارات صعوبة واضحة في أن يردّ "حزب الله" طلباً من هذا القبيل اذا أتى من الرابية، اذ من غير المنطقي أن يخذل الحزب عون، وهو الحليف المسيحي الذي قدّم له الكثير الكثير في أيام المقاومة الحرجة. بالإضافة، فقد يكون للانفتاح، ولو بصيغة محدودة، على "القوات" عبر عون المردود للايجابي على الحزب نفسه نظراً إلى لما قد يفضي اليه من تعزيز لمصداقيته في الشارع المسيحي، خصوصا في صفوفه المتشدّدة.
أما الاعتبار الأهمّ، فيكمن في الوضع الجديد الذي خلقه تحالف معراب على الساحة السياسية وخاصة في الشقّ الانتخابي منها، والذي لا بدّ أن يكون له تأثير على الاستحقاقات البارزة في البلاد، وأهمها الانتخابات النيابية المقبلة، وقبلها الانتخابات البلدية التي ان حصلت في ايار المقبل، فقد تشكّل نموذجاً ولو مبسطاً لمدى تأثير حلف معراب على العمليات الانتخابية .
ومن الواضح أن خوض العونيين والقواتيين الانتخابات كحلف صلب وفريق واحد سوف يحتّم على كلّ من "حزب الله" و"القوات" إيجاد سبل تعامل وتواصل بينهما، كونهما حليفي الحليف الواحد، أي التيار العوني. اذ لا يجوز في إطار انتخابي مماثل أن يغيب الحدّ الأدنى من التضامن بين معراب وحارة حريك من دون أن يؤثّر ذلك سلباً على التحالف الأساس بين الحزب والبرتقاليين، ويكون في ذلك خسارة للجهتين. لذلك، يُرجّح أن يخضع الحزب لمنطق أنّ حليف حليفه الجديد لا يمكن أن يكون عدوّاً له في المطلق، أو أقلّه في المعارك الانتخابية حيث الأرضية الانتخابية مشتركة الى حدّ ما، وأنّه من الأفضل التفكير بكيفية خلق مناخ مقبول بين حارة حريك ومعراب والعمل على ذلك ولو بعد حين، ولكن بالتأكيد قبل اقتراب موعد الانتخابات النيابية المؤجلة الى 2017 في أقصى الحالات.
والمقصود بالحدّ الأدنى من التضامن بين الجهتين المعنيتين بالموضوع هو تأمين جوّ يسهّل التحالفات الانتخابية من دون ضرب مبادئ الحزب من جهة أو تحالفه الصلب مع عون من جهة أخرى. ومن هنا، تكثر التساؤلات حول ما اذا كان "حزب الله" قد يبدي استعداداً لمساندة مرشحي "القوات" غير الحزبين فقط، على غرار تجربته السابقة مع المرشّح القواتي إدموند نعيم في الـ 2009 ، أو أنه سوف يخضع لمبدأ التحالف غير المشترط مع مرشحي معراب، خصوصا أن "القوات" تبدو مصرة على حصر مشاركتها في الانتخابات النيابية المقبلة بالحزبيين هذه المرّة؟
وهل يكون للحزب موقف مختلف من المرشحين القواتيين بحسب ظروف كلّ واحد منهم والدوائر التي يترشحون عنها، بحيث يتمّ درس كل حالة انتخابية على حدة، فإن كان المرشح القواتي بمواجهة مرشح آخر من الحلفاء المباشرين للحزب كت"المردة" أو الحزب القومي على سبيل المثال، يُعطي الحزب الأولوية للحليف قبل حليف الحليف؟
أسئلة كثيرة حول ما يمكن أن تؤول اليه الأوضاع بين "حزب الله" و"القوات" في ظلّ كلّ هذه الاعتبارات، قد يكون من المبكر الإجابة عنها، الا أنّه لا بدّ للأفرقاء المعنيين بها من التوقف عندها قريبا، اذا هم أرادوا أن يصنعوا المفاجآت قبل أن تفاجئهم التطورات على الساحة السياسية.