ما هي أبرز مميزات النظام السياسي في لبنان؟ الاجابة عن هذا السؤال "الكليشيه" بات يعرفها الأطفال قبل الراشدين: هدر المال العام والفساد ومن ثم ارهاق المواطنين بالضرائب.
ليس جديداً على شعب الأرز الأخضر والنفط المدفون في القعر أن ينام على ضريبة ويصحو على أخرى مضافة! وهو بات يعرف اشدّ المعرفة أن الصفقات بالملايين، في كل المستويات والميادين. وقد حفظ أن الدين العام قد وصل الى حافة السبعين مليار دولار أميركي، وأن الحدّ الأدنى للأجور لا يكفيه لتسديد فواتير الخدمات البديهية المتوجب على الدولة تأمينها، بل قل الحقوق، من كهرباء الى مياه الى طبابة. الى معالجة النفايات!
وإشكالية "الرقم" في لبنان معقدة، ولا تُهضم بسهولة. مثال على ذلك: الخمسة آلاف ليرة قد لا تعني بالنسبة الى كثر من المواطنين شيئاً، وقد يحتاجها آخرون لسدّ الجوع. وفي لبنان، فقر كثير، وفيه ثراء. بحسب تقديرات ادارة الاحصاء المركزي والبنك الدولي، فان "سبعة وعشرين في المئة من السكان فقراء (اي مليون شخص من اصل اربعة ملايين)، أي أن مستوى استهلاكهم أدنى من خط الفقر السنوي الذي تم تحديده بمعدل 4 ملايين و730 الف في السنة أي 400 الف ليرة لبنانية شهريا."
هذا المبلغ الزهيد - الباهظ، حاولت الدولة اللبنانية ان تأخذه، كضريبة على صفيحة البنزين، من جيب المواطن. وبما أن "الرقم" عندنا لا يخضع لمنطق الرياضيات لناحية ان واحداً زائد واحد يساوي اثنين، تنقسم الآراء بين من يعتبر ان تحصيل هذه الآلاف المعدودة قد يدخل الى خزينة الدولة مبالغ طائلة، وبين من يؤكد أن نسبة استهلاك المحروقات ضئيلة وبالتالي لن يكون هذا "الاجراء" ذي فائدة قصوى.
وبين هذا وذاك، ثمة شبه اجماع على أن سحب ضرائب اضافية من الشعب قبل وقف الهدر والفساد، هو بحدّ ذاته، بيت القصيد، او بالاحرى أمّ الفضائح!
ضرب الفساد
الباحث في شركة "الدولية للمعلومات" محمد شمس الدين، وعلى رغم أنه يخلص الى أن زيادة ضريبة الخمسة آلاف ليرة قد تدخل الى خزينة الدولة ما يقارب الـ 500 مليار ليرة سنوياً بحكم نسبة الاستهلاك التي تقدر بـ 300 الف صفيحة بنزين يومياً، "وهذا مبلغ كبير"، الا أنه يقرّ بأن الاجدى على المسؤولين ضرب معاقل الهدر والفساد، بالاضافة الى وضع خطة اقتصادية قائمة على حسن التخطيط والادارة.
شمس الدين، وفي حديث لـ"لبنان24"، يشرح ان ثمة قناتين تدخلان الاموال الى الخزينة: أولاً توفير نفقات فضفاضة وغير ضرورية ووقف الهدر، وثانياً تحصيل الضرائب غير المجباة حتى الساعة.
يفلفش امامه مشروع موازنة العام 2015 وما تضمنته من ارقام مقدرة، ليقدم بضعة امثلة على هذه الابواب التي اذا ما الغيت او عُدلّت، تدرّ على الدولة مليارات الليرات!
يبدأ بملف الاملاك البحرية المهمل منذ سنوات، علماً ان تسويته قد تدخل الى الخزينة ما يقارب الـ 300 مليار ليرة سنوياً. ينتقل الى "اصحاب السعادة"، تحديداً السابقين منهم، اذ تبلغ قيمة المخصصات المعطاة لهم ولعائلاتهم 30 مليار ليرة سنوياً! يقارن بين الرقم الذي تم تقديره في العام 2014 ليغطي ما يعرف بـ "النفقات السرية للاجزة الامنية" وقد بلغ حوالى 20 مليار ليرة، وبين الرقم الذي لحظته موازنة العام 2015 والذي قفز الى 47 مليار ليرة لبنانية، سائلاً : ما المبرر؟ هل تدهور الوضع الامني مثلاً؟!".
يتابع شمس الدين: "الاسفار والمصاريف التي تهدر على الوفود كبدت الدولة 25 مليار ليرة سنوياً. ثمة سفارات لبنانية قائمة في دول ليس لها أي وزن سياسي أو أنها لا تضمّ جالية لبنانية كبيرة، فلماذا لا تلغى هذه السفارات، أو اقلّه تنقل الى بلدان اخرى بحاجة اليها اكثر (هنا نلحظ سوء التخطيط والتقدير)!".
يمضي شمس الدين في انتقاء بعض الامثلة: "بلغت قيمة المساهمات التي قدرتها الدولة الى المدارس الخاصة المجانية (التابعة للطوائف) 120 مليار ليرة سنوياً، علماً بأنها تدعم المدارس الرسمية في الوقت نفسه!
وبمناسبة الحديث عن الطوائف، يذكر أن المحاكم الروحية الاسلامية خصص لها 27 مليار ليرة من الدولة، اما المحاكم الروحية المسيحية فتم اعتماد 4 مليار ليرة سنوياً.
أما الاموال "المحجوزة" للجمعيات والمؤسسات (الشكلية في اغلبيتها)، فحدث ولا حرج: حصلت الهيئة الوطنية لشؤون المرأة اللبنانية على 905 ملايين ليرة سنوياً، وخصص 100 مليون ليرة لمجلس النساء اللبناني (على سبيل المثال)! ويعتبر شمس الدين في هذا الاطار انه في الامكان توفير نصف هذه "الفاتورة" وحتى اكثر، ذلك أن ثمة جمعيات كثيرة شكلية أو وهمية، مشيراً الى أن دعم الجمعيات يجب أن يأتي اصلاً من الافراد لا من الدولة.
كما يذكر بملف المباني الحكومية واملاك الدولة التي يتم التنازل عنها من دون مقابل (ايجارات قديمة)، علماً أن لبنان يسدد لشركة "سوليدير" 12 مليار ليرة سنوياً، فقط كبدل ايجار مقرّ "الاسكوا"!
وتطول لائحة الهدر والفساد: الفاتورة الصحية المضخمة (بلغت قيمة الاستشفاء بالقطاع الخاص 42 مليار ليرة سنويا)، المنح المدرسية، دعم المكاتب اللبنانية السياحية المتواجدة في الخارج، مع العلم أننا في عصر الانترنت وبالتالي انتفت الحاجة اليها. ولا تنتهي هذه اللائحة عند الكهرباء ولا المياه ولا النفايات!
انها ببساطة دولة راسبة في الرياضيات، وفي مادة التربية، وفي مادة الاقتصاد والاجتماع وحقوق الانسان. انها ليست بدولة، على حد قول شمس الدين، "انما تحالف مجموعات طائفية لتقاسم الدولة". وبلغة الفنان زياد الرحباني الفنية و"الماتيماتيكية": "هاي مش بلد.. هاي قرطة عالم مجموعين، مضروبين، مطروحين، مقسومين"!