البلديات وانتخاباتها، سواء حصلت في مواعيدها في أيار المقبل أم لم تحصل، قد تسلّط الأضواء على الكثير من الثغرات والعوامل الجديدة التي طرقت على الداخل السياسي الضيق لأهل الحكم منذ الانتخابات البلدية الأخيرة في الـ2010، كاشفة اعتبارات ووقائع منها قديمة ومنها مستجدّة، ومعظمها قد ضاع في الحسابات والمحسوبيات الاستراتيجية العريضة طوال هذه الفترة، ليبرز من جديد متى حان الوقت لتتقدّم التكتيكات والمصالح الفئوية على الشعارات وتحالفات الخطوط السياسية الكبرى.
ومع أن الجميع مصرّ على اجراء هذه الانتخابات في حينها، يسود انطباع بأنّها قد تتعطّل في اللحظة الأخيرة لسببٍ ما، اذ لا مصلحة لمعظم الأفرقاء السياسيين في إجرائها. وقد يكون فريق "المستقبل" على رأس لائحة المتضرّرين من انتخابات البلديات، على رغم تأكيد الوزير "المستقبلي" نهاد المشنوق على حصولها كما هو مقرّر، إذ إنّه لأمر طبيعي أن يدعو وزير الداخلية إلى القيام بتأمين الوجستيات ستحقاق يقع في صلب صلاحياته، من دون أن يعبّر ذلك عن حقيقة قناعاته السياسية أو مصلحة الفريق الذي ينتمي إليه.
ومن الواضح أنّ عواملٓ عديدة تصبّ ضدّ مصلحة "التيار الأزرق" ورئيسه سعد الحريري في الإنتخابات المرتقبة. فلا المال متوافّر لديه لخوض معركة حاسمة كما جرت العادة، ولا الظروف السياسية مؤاتية لتسجيل الانتصارات التي لطالما تميّز بها "المستقبليون" في هذه الاستحقاقات، في ظلّ شتى انواع العراقيل والمشاكل التي يجابهونها اليوم والتي لم تكن موجودة بالأمس.
ففي صيدا، صعوبات عديدة تنتظر فريق "المستقبل"، حيث ظاهرة أحمد الأسير ما زالت ماثلة للعيان وتداعياتها على الأرض خطيرة بالمعنى الانتخابي. كذلك، يجزم البعض بأنّ نفوذ أسامه سعد، المنافس السياسي المباشر للحريري في هذه المنطقة، قدّ حقّق تقدماً ملحوظاً في السنوات المنصرمة على خلفية غياب الحريري عن البلاد وانتقادات البعض لأداء بهية الحريري في المنطقة، وكذلك فعل أفرقاء أخرون غير موالين للحريري كسرايا المقاومة الملتحقة سياسياً بـ"حزب الله".
معارك "المستقبل".
في بيروت، يواجه "المستقبليون" صعوبات انتخابية تحالفية، نظراً إلى تردّي العلاقات بينهم وبين "القوات اللبنانية"، التي كانت تؤمن الغطاء الشعبي والانتخابي لمعظم الأعضاء المسيحيين الاثني عشر من أصل مجموع الأعضاء الـ ٢٤ للمجلس البلدي. ففي ظلّ الخلاف الحاصل بين "القوات" و"المستقبل" من جهة، والحلف المستجدّ بين "القوات" و"العونيين" من جهة أخرى، سوف يجد "التيار الأزرق" صعوبة جمّة في الهيمنة على المجلس البلدي، خصوصاً ان ليس في إمكان أي فريق مسيحي آخر، وتحديداً حزب الكتائب الذي يحظى ببعض النفوذ في بيروت ولكنّه محدود، أن يقدّم الغطاء الانتخابي الذي كانت توفّره "القوات اللبنانية" لحليفها "المستقبلي".
أما الساحة الطرابلسية، فسوف تشهد تعقيدات هي الأخرى، منها متعلقة بالنفوذ المتصاعد للرئيس نجيب ميقاتي الذي اتخذ من طرابلس أرضية أساسية للعمل السياسي. وهنالك طبعا المشكلة المستجدّة في البيت الواحد بين الحريري ووزير العدل أشرف ريفي، والتي من شأنها أن تزيد من حالة الارباك ومن صعوبة تنظيم الانتخابات البلدية تحت سقف أزرق واحد. فمن غير المتوقع أن ينضمّ ريفي الى الصفوف "المستقبلية"، وهو الذي لم يتردّد في مواجهة الحريري في موضوعين أساسيين، مسجّلا رفضه لمبادرة الحريري الباريسية أولاً، ومن ثم مزايداً عليه في القرار القضائي بإخلاء سبيل ميشال سماحه. ويبدو أنّ ريفي يسعى جاهداً الى استقطاب الجوّ السني في طرابلس، وهو غير مبالٍ بتأثير مواقفه على موقعه "المستقبلي"، وفي ذلك عقبة إضافية على الحريري التعامل معها في انتخابات طرابلس التي لطالما شكّل ريفي ركيزة أساسية فيها.
وأما في عكار والبقاع الغربي، فتبدو الأمور خارجة عن السيطرة خصوصا على خلفية وجود النازحين السوريين والتمويل الخارجي لهم، مما حوّل المراكز التي يتمّ عبرها هذا التمويل الى محطات سلطة مستقلة بفعل نفوذها المالي، قد لا تخضع لقوانين اللعبة الانتخابية المعتادة ولأسيادها خصوصا متى شحّت أموال هؤلاء.
وحال الفريقين الشيعيّين في الانتخابات البلدية قد لا يكون أفضل بكثير من وضع "المستقبل". اذ، ومنذ انتخابات الـ ١٩٩٨، كان "حزب الله" وحركة "أمل" يسعيان جاهدين الى إيجاد التفاهمات بينهما للتخفيف من حدّة المنافسة على مراكز المخترة والمجالس البلدية، وكان للتدخل السوري آنذاك دور بارز في تقليص شراسة المعارك بينهما.
أما اليوم، فعلى رغم الاتفاق الاستراتيجي التام بينهما على الخطوط السياسية العريضة، فيبدو واضحاً أن لكلّ فريق حيثياته وتطلعاته وتكتيكياته السياسية في الداخل اللبناني، والموضوع الرئاسي خير دليل على ذلك. لذا، فمن غير المستغرب أن تكون مسألة الانتخابات البلدية وما تحمله من اعتبارات متعلقة بالنفوذ المباشر على الناس والناخبين أحد العناوين الداخلية التي يتباين عليها الفريقان. وأما الوقت والظروف فليسا للتجاذبات بينهما، مما قد يخفف من حماسهما في خوض معارك ضيقة حالياً.
بالإضافة إلى كلّ ذلك ، فقد يكون لوجود ألوف الكوادر والمحاربين لـ"حزب الله" في سوريا تأثير غير مستحبّ على الانتخابات بالنسبة الى الحزب، فهؤلاء أو البعض منهم كانوا يُجيّشون لتحضير المعركة الانتخابية، كما أنهم من ضمن ناخبي "حزب الله"، ولا بدّ اذاً لغيابهم أن يؤثّر سلباً على نتائج الانتخابات. كذلك ثمّة من يجزم بأن الحزب قد يخسر جزءًا من ناخبيه من بين أهالي مقاتليه في سوريا، كون هؤلاء قد أصيبوا بخيبة كبيرة بعدما استشهد أبناؤهم في المعارك هناك.
وأما مسيحيا فقد يكون حلف معراب بين الجنرال ميشال عون ورئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع الطرف الوحيد المتحمّس فعلاً لإجراء الانتخابات نظراً إلى ما يمكنه تحقيقه من خلال لوائح موحّدة وذلك على حساب الفئات المسيحية الأخرى، التي قد لا ترى بالتالي أي مصلحة لها في اجراء انتخابات من المرجّح أن تؤثّر سلباً على نفوذها ووضعها البلدي والاختياري كما هو عليه اليوم.
يبقى أنّ الاعتبار الأهم الذي قد يدفع بأغلبية أهل الحكم الى تأجيل الانتخابات البلدية هو أن حصول هذا الاستحقاق سيحتّم، حال انتهائه، اجراء انتخابات نيابية، اذ انّ مجرّد تحقيقه يُسقط تلقائياً ذريعة عدم توافّر الظروف المؤاتية لأي نوع انتخابات، بلدية كانت أم نيابية. ومن المؤكد أنّ المجلس النيابي الذي مدّد لنفسه حتى تشرين الثاني 2017 كحدّ أقصى لا يسعى الى مبارزة نيابية قبل ذلك الحين، ولو أنّه تعهّد بان يجري الانتخابات قبل ذلك الموعد إذا أمكن. لذلك، فإنّ كون الانتخابات البلدية مدخلا حتميّا للانتخابات النيابية وقبلها لحلّ الجدل البيزنطي حول تعقيدات قانون الانتخاب سوف يخفّف من حماس أهل الحكم لعقدها. ولكن حتى الساعة لا حجّة مقنعة لدى أي طرف لإلغاء أو تأجيل استحقاق أيار، خصوصا أنّ عجز الخزينة عن تغطية استحقاقات دستورية ذريعة مرفوضة، مما يجعل الانتخابات البلدية والاختيارية آتية آتية لا مفرّ، الا اذا وُجد مخرجٌ منطقيٌّ لتجنّبها، عساه الا يكون حدثا أمنيا كما يخشاه البعض!