لم يكن حضور سعد الحريري الشخصي في مهرجان 14 شباط المفاجأة الوحيدة التي طغت على المشهد السياسي، بل من خلال مواقفه التي توحي بإصراره على تسجيل إندفاعة سياسية.
زعيم "المستقبل" رمى كل ملفاته العالقة على الطاولة دفعة واحدة، فيما التحدي الذي يواجهه اليوم يكمن بقدرته على انهائها بأقل كلفة ممكنة خلال إقامته الطويلة في بيروت كما أعلن من السراي الكبير. ومن بين هذه الملفات: الشح المالي، لملمة اشلاء تياره السياسي، معالجة تصدعات العلاقة مع الحلفاء، والاهم براعته في إمكانية لم شمل"14 آذار" كونه المنصة السياسية التي من دونها سيفقد الحيثية السياسية لمواجهة استحقاقات داهمة، وفي طليعتها الانتخابات الرئاسية.
لا يمكن التخفيف من حجم الدينامكية التي انبثقت عن مهرجان "البيال"، والتي افتقدتها الحياة السياسية في الآونة الآخيرة، وقد إستكملها الحريري بنهار سياسي طويل ختمه عند حليفه اللدود سمير جعجع في معراب، وهي حركة مرشحة لمزيد من التفاعل على المستوى الوطني في المدى المنظور.
وفي هذا المجال تراهن قيادة "المستقبل" على إنجاز سريع لاجل إستعادة زمام المبادرة وفق اوساط التيار، التي كشفت لـ "لبنان 24" بأن الحريري سيحرص على شد عصب تياره و قاعدته الشعبية، ولذلك فهو سيزور طرابلس قريباً نظراً إلى رمزيتها السياسية والشعبية، على أن تشمل زيارته مناطق اخرى، تمهيداً لإحياء ذكرى 14 آذار بشكل إستنهاضي لتتحول إنطلاقة متجددة بعد جملة تصدعات كانت ستؤدي إلى إنهيار الحلف التاريخي وتشتته.
وتتابع أوساط تيار"المستقبل" بأن الحريري سيمنح للامانة العامة في قوى 14 آذار دعماً استثنائياً في هذه المرحلة، آملاً بمحاولة إعادة اللحمة قدر الامكان بين مكونات هذا الفريق، فيما سيتفرغ شخصياً لامرين: الأول، محاولة تدبير حلول للازمة المالية الخانقة التي ترزح بثقلها مؤسسات "المستقبل"، ولا غضاضة في الاستعانة ببعض البنوك، والثاني معالجة حالات "التمرد" كما "التسيب السياسي" ضمن فريقه الضيق نظراً إلى بروز طموحات سياسية أو صراعات داخلية، مما أسفر عملياً عن نشؤ مراكز قوى ضمن التيار الواحد. وهوإستهل اجتماعاته بجلسة غسيل قلوب مع الوزير أشرف ريفي، على ان تشمل لقاءاته آخرين، وكذلك عقد اجتماعات تنظيمية مكثفة.
في ضوء كل هذه المعطيات يمكن القول إن ما ينتظره الحريري في ظل التعقيدات الراهنة قد لا يكون بالضرورة على قدر آماله المعقودة، ذلك ان عمق الانقسامات داخل فريق 14 آذار وصل إلى حدّ حد الافتراق الكامل بالخيارات الاستراتيجية. فجعجع ليس في صدد التراجع عن ترشيح عون. كما ان الحريري ماض بإلتزماته تجاه فرنجية حتى النهاية، و لا يخفى ابداً في هذا المجال أن للدلع الزائد تجاه آل الجميل أهدافاً ووظائف سياسية كثيرة تتجاوز بكثير الوقوف على خاطر جعجع بعد اللطشة القوية التي كادت أن تتسبب بعواقب وخيمة بين أنصار الطرفين.