يسعى رئيس "تيار المستقبل" سعد الحريري جاهداً لتأمين نصاب الجلسة المقبلة لانتخاب رئيس للجمهورية وسط تجاذبات وحيرة في صفوف 8 آذار، وغموض في المواقف خصوصا في ما يتعلّق بالمشاركة أو مقاطعة جلسة 2 آذار المقبلة. وتتوّجه الأنظار الى "حزب الله" بعد أن رمى الحريري الكرة في ملعبه، مؤكداً أنه لن يقاطع أي جلسة انتخاب مهما كانت الظروف، مما يلغي حكما حجّة الحزب أنه لن يرضى بعقد جلسة انتخابية في غياب مكوّن أساسي من مكوّنات البلاد. فهل يقوم حزب الله باتصالات لتأمين انتخاب حليفه الأوّل كما يزعم، أي الجنرال ميشال عون، أو أنّه سوف يلتزم الصمت والحياد، مما قد يؤدّي في نهاية المطاف الى عقد جلسة نيابية يُنتخب فيها النائب سليمان فرنجية رئيساً، وتُترجم سياسيا بأنّها "قبّة باط" من قبل حزب الله لوصول رفيق الدرب والحليف الأساس، فرنجية، الى بعبدا؟
المعطيات السياسية حتى الساعة تشير الى الآتي:
أولا، وحتى الآن، لم يتحرّك حزب الله في اتجاه أيّ من حلفائه في 8 آذار، لا رئيس مجلس النواب نبيه برّي ولا النائب سليمان فرنجية، لإقناعهم بالتصويت لعون في ضوء المعطى الجديد، وهو الحضور المحتّم للمستقبل في جلسة 2 آذار. وقد يكون تأكيد الحريري على هذا الحضور مردّه الى وجود ضمانتين في يده، أولهما أن فرنجية لن يسحب ترشيحه، وفي ذلك استحالة انتخاب عون، وثانيهما الوجود الدائم للمرشح الثالث الذي لم يفوت الحريري فرصة الإشارة إليه، مما يعني أنه في حال اضطرّ فرنجية الى الانسحاب من حلبة الرئاسة في الدقيقة الأخيرة لأسباب معينة، يبقى أمام تيار المستقبل وحلفائه إمكانية اللجوء الى المرشّح "الملك"، وتطيير حظوظ عون ولو من دون فرنجية.
ثانيا، ثمة من يزعم أنّ بري أعلم كلّ من يهمّهم الأمر، وعلى رأسهم الحزب، أنّه لن يصوّت لعون، لا في جلسة 2 آذار ولا في أي جلسة لاحقة، وهو بالتالي مستعدّ لمناقشة ودرس أي مخرج آخر لحلّ هذه العقدة اذا لزم الأمر بما فيها سيناريوهات لتطيير أول الجلسات الآذارية، إلّا أنه ملتزم موقفه في ما يتعلّق بعون ولن يعدل عنه مهما كثرت الضغوطات عليه، ومن أيّ جهة أتت. وموقف برّي ليس بمستغربٍ نظرا لما قد يرتّبه وصول عون الى الرئاسة من نمط جديد في الممارسة السياسية، ويالتالي من عبء وعدم ارتياح للصقور السياسية وعلى رأسها الرئيس برّي.
ثالثا، وبالرغم من تأكيده أنه لن يشارك في جلسة انتخاب رئيس يغيب عنها حزب الله، قد يرى نائب زغرتا نفسه أكثر حماساً في المشاركة بالجلسة الانتخابية القادمة وحجّته أنّ حضور الحريري شخصيا وهو من رشحه يُلزمه أخلاقياً النزول بدوره الى ساحة النجمة دون أن يمسّ ذلك بانتمائه المبدئي والأخلاقي الى فريق 8 آذار، خصوصا اذا لم يصرّ الحزب عليه بعدم الحضور، وهذا ما لم يفعله حتى الآن. ولكن لا موقف ثابت ونهائي من هذا الموضوع من بنشعي حيث المشاورات حوله مستمرّة.
في المقابل، يكثّف فريق عون اتصالاته بكلّ القنوات المؤدية الى بنشعي لمعرفة ما اذا كانت كتلة "المردة" ستحضر الى ساحة النجمة في جلسة 2 آذار، مما يترجم قلقاً واضحاً لدى التيار البرتقالي حول مصير هذه الجلسة وما قد تحمله من مفاجآت ومن معانٍ سياسية. فحضور كتلة فرنجية سوف يؤمّن النصاب المطلوب لعقد الجلسة حتى ولو تغيّبت عنها كتلتا الحزب وعون. الا أنّه، وكما يراه البعض، فمن غير المنطقي أن يُصار الى انتخاب رئيس للبنان في غياب أقوى مكوناته، أي حزب الله، فلا بدّ اذا من إيجاد وسيلة وسبب وجيه لعدم عقد الجلسة، الا اذا أرادها ضمنا الحزب، وكان تصرّفه مناورة سياسية من البداية الى النهاية، وغيابه عن الجلسة مشاركة ضمنية فيها.
وهنالك من يرى أنه في حال مشاركة فرنجية في الجلسة قد يضطرّ فريق جعجع للبحث عن سبب للغياب عنها وتطيير النصاب لإبعاد فرنجية عن سدّة الرئاسة، ولو كان هذا الموقف يتناقض مع المبدأ الذي التزمت به القوات بالمشاركة في كلّ جلسات الانتخاب الى حين انتخاب رئيس، ولكن عبر حجج شخصية لتغيّب بعض نوابها عن جلسة 2 آذار بداعي السفر أو المرض مثلا.
الا أن مصادر مقرّبة من معراب تؤكد أن لا نية للقوات لتفادي أي جلسة انتخابية مهما كانت نتائجها، وأن القوات حاضرة لكلّ الاحتمالات. وترى بعض الأوساط السياسية أنّ تخوّف جعجع من وصول فرنجيّة الى الرئاسة وانعكاسات انتخابه على قاطن معراب وعلى نفوذه السياسي قد خفّت وطأته على الحكيم منذ قيام حلف معراب. فما قد يخسره جعجع بترؤس فرنجيه البلاد سوف يعوّض عنه رئيس القوات بمكاسب سياسية أخرى عبر تحالفه المستجدّ مع عون.
والى أن يحين موعد الانتخاب الجدّي والنهائي للرئيس العتيد، يبدو أنّ جعجع مستمرّ في محاولته إقناع المملكة العربية السعودية بتبنّي ترشيح عون، بينما يمدّ الحريري يدا ولو خجولة لحزب الله لعلّه يسير بانتخاب فرنجية، وفي قوله أنه لا يجب الجزم أن حزب الله لا يريد رئيساً بل أنّه يستمهل انتخابه خير دليل على وجود إرادة مستقبلية بالوصول الى حلّ ما مع الحزب في هذا الإطار. ويبقى الاتفاق الأوسع والأهمّ للتوصّل الى حلّ لأزمة الرئاسة العالقة هو عبر توافق إيراني-سعودي على الموضوع، الذي من دونه يضيق هامش تصرّف الأفرقاء في الداخل مهما حسُنت نواياهم.