الذين يعرفون جيداً ما تكنّه المملكة العربية السعودية للبنان واللبنانيين ومدى الحرص الذي يبديه المسؤولون فيها على استقرار لبنان، سياسياً واقتصاديا وأمنياً، لم يستوعبوا الإجراء الذي اتخذته الرياض، وهي التي طالما وقفت إلى جانب لبنان في محنه وظروفه الصعبة.
ولكن من تسنى له الإطلاع على ما يكتب في الصحف السعودية من مقالات تدعو إلى إعادة النظر بسياسة المملكة تجاه لبنان، الذي يعتبره هؤلاء الكتاب أنه لم يحفظ جميل ما قُدّم له من مساعدات، لا يستغرب ما أقدمت عليه من إجراءات، وهي جاءت متأخرة، وفق ما أعلنه وزير الداخلية نهاد المشنوق.
وفي اعتقاد كثيرين ممن يرون في المملكة سنداً دائماً للبنان أن القرار السعودي بوقف المساعدات المخصّصة للجيش اللبناني ولسائر القوى الأمنية لم يأت إلاّ بعدما بلغ السيل الزبى، وبعدما تمادت الديبلوماسية اللبنانية في الخروج عن الإجماع العربي، خصوصاً في هذه المرحلة التي تشهد توتراً غير مسبوق بين الرياض وطهران، على خلفية التطورات الحاصلة في العراق وسوريا واليمن، وبعد الإتفاق النووي بين إيران وواشنطن، وما نتج عنها من رفع للعقوبات الإقتصادية عن طهران، التي باتت تشكل نقطة جذب للإستثمارات الأجنبية، مع ما يعنيه ذلك من مضاعفات على الواقع السعودي بعد أنخفاض اسعار النفط.
ويرى هؤلاء أن السعودية أرادت من خلال هذه الإجراءات أن توصل رسالة واضحة المعالم إلى السلطات اللبنانية، ومفادها أن دقة الظروف لا تسمح بأن يكون موقف لبنان رمادياً حيال ما تتعرض له المملكة من ضغوطات. فإما أن يكون موقفه أبيضاً ويسير في ركب الإجماع العربي، أو اسوداً ويتخلى عن ديبلوماسيته التاريخية التي كانت تميّزه على مدى عقود من الزمن. وفي الحالتين على لبنان أن يتحمّل تبعات الموقف الذي يتخذه، سواء كان أبيضاً أم أسوداً، بغض النظر عن وضعيته الداخلية، وما فيها من تناقضات.
قد يكون لبنان حيال هذا الخيار يواجه أصعب المواقف التي عليه مواجهتها، باعتبار أن اي خطأ في هذا المجال قد يكون مكلفاً جداً على حساب استقراره الإقتصادي والسياسي والأمني، وهو الذي استطاع من خلال سياسة النأي بالنفس عما يجري في سوريا من أحداث دامية أن يتجّنب حتى الآن تجرّع كأس انعكاسات الحرب السورية على وضعه الداخلي، على رغم مشاركة فصيل اساسي من مكونات تركيبته السياسية في هذه الحرب.
فأي دعسة ناقصة بالنسبة إلى لبنان الذي يسير على حافة الهاوية قد تكون مكلفة، وسيكون لها تداعيات كبيرة، أقله على مستوى ما يمكن أن يستتبع القرار السعودي من إجراءات قد تطاول مصالح اللبنانيين العاملين في المملكة وفي دول الخليج العربي، وهي مضاعفات قد تضع لبنان على فوهة بركان قد يثور في أي لحظة إقليمية مفصلية.