لم يكن قرار القيادة السعودية بوقف المساعدات المقررة للجيش اللبناني ولسائر القوى الأمنية قراراً سهلاً، وهي التي بادرت من تلقاء نفسها إلى مدّ يد العون للمؤسسة العسكرية في حربها ضد الإرهاب المتمثل بتنظيم "داعش" وما لفّ لفّه، إيماناً منها بأن هذه المؤسسة الوطنية إنما تدافع عن ارض عربية لم تبخل المملكة يوماً في مساعدة ناسها ووقفت إلى جانبهم في أحلك الظروف وأصعبها، وعملت على إطفاء الحرائق التي كادت تأكل الأخضر واليابس في بلاد الأرز.
في المقابل لم ينسَ اللبنانيون للمملكة وقوفها إلى جانبهم، وهم لم يرموا في البئر التي شربوا منها حجراً، بل كانت بين الدولتين والحكومتين والشعبين أصدق المشاعر وأنبلها، وفق ما كانت تقتضيه المصلحة المشتركة بينهم، وهي انتجت تنسيقاً في المواقف سواء في المحافل الدولية أو العربية، وكان من ثمار هذا التنسيق أن أطلق الملك عبدالله، وكان لا يزال ولي عهد من بيروت بالذات مبادرة لحل الأزمة العربية، أطلق عليها تسمية مبادرة السلام العربية، وهي جاءت متماهية مع دعوة لبنان القمة العربية المنعقدة في عاصمته العام 2002، إلى اعتماد الخيار الديبلوماسي كحل للنزاع القائم في المنطقة، وكان يومها في لبنان نزاع بين منطقين: الأول يريد أن يجعل من لبنان هونغ كونغ ثانية، وآخر يريد تحويله إلى هانوي، مع ما ترافق ذلك من مناوشات سياسية أدت إلى تغليب المنطق الثاني على الأول.
وعلى رغم أن من تعاقب على وزارة الخارجية منذ سنوات هم وزراء ينتمون سياسياً إلى حركة "امل" ومحور الممانعة، إلاّ أن وجودهم على رأس الديبلوماسية اللبنانية لم يحرج أي حكومة من الحكومات التي كان فيها وزراء الخارجية محسوبين على تيار سياسي قريب من خط المقاومة، ولم تعترِ علاقة لبنان بأشقائه العرب أي شائبة كما هي الحال اليوم بينه وبين الرياض التي تضامنت معها دول خليجية عدّة.
وعلى رغم محاولة وزير الخارجية والمغتربين جبران باسيل تبرير المواقف التي أعلنها في أكثر من مناسبة عربية، وهي التي دفعت بالسعودية إلى اتخاذ هذا الموقف الصارم والقاسي تجاه لبنان، إلاّ أنه زاد الطين بلّة، على حدّ تعبير أحد الوزراء الذي فوجىء بموقفه، وهو مخالف في الأساس للإعراف السياسية، إذ لايحقّ لإي وزير أن يدلي بأي تصريح بعد أن يكون رئيس حكومته قد أدلى بما تمّ التوافق عليه داخل مجلس الوزراء، بعد سبع ساعات من المناقشة الحامية على الفاصلة والحرف.
وهكذا استطاع الوزير باسيل أن يكون حالة سياسية قائمة بحدّ ذاتها، وهو مقتنع بأن ما قام به وما اتخذه من مواقف لم يخرج عن سياسة النأي بالنفس، وهو بذلك خطّ رسماً بيانياً لسياسة لبنان الخارجية بمعزل عن الموقف اللبناني الرسمي، فبدت الديبلوماسية معه مختلفة عما كانت عليه مع من سبقه.