منذ تموضع اللبنانيين ضمن فريقي 8 و14 آذار على خلفية اغتيال الرئيس رفيق الحريري، تشهد السياسة الخارجية ارباكاً واضحاً يترجم الفشل في التوافق السياسي بمواقف خارج السرب الحكومي، والكل يذكر كيف أن مواقف كل من وزيري الخارجية السابقين فوزي صلوخ وعدنان منصور في المنظمات العربية والدولية، كانت تجابه بحرب كلامية واتهامات داخلية بأنهما يمثلان سياسة فريقهما السياسي وليس سياسة لبنان الدولة، ومع انطلاق الحرب السورية اجترحت حكومة الرئيس نجيب ميقاتي سياسة "النأي بالنفس" لتجنيب لبنان تجرع كأس تداعيات هذه الحرب .
هذا التخبط المتواصل منذ العام 2005 يطرح سؤالاً بديهياً: على أي قاعدة تُرسم سياسة لبنان الخارجية؟
استاذ القانون الدولي العام في لبنان الدكتور شفيق المصري يلفت عبر "لبنان 24"، إلى أنه منذ الإستقلال إلى اليوم تستند السياسة الخارجية إلى الدستور لاسيما في مقدمته، التي تحدد هوية لبنان والأطر العامة لممارسة هذه الهوية . "ولكي نعرف ما هي الخطوط العامة لسياسة لبنان الخارجية، نعود أولا إلى الدستور ، وثانياً إلى البيان الوزار ، ويضاف إليهما في لبنان أمر ثالث، هو أصول الميثاق الوطني الذي يحرص في السياستين الداخلية والخارجية على الوحدة الوطنية للدولة " .
ويوضح المصري "السياسة الخارجية للحكومة في الأنظمة البرلمانية مثل لبنان تُرسم في البيان الوزاري للحكومة ، شرط أن تكون ضمن الدستور، وعلى أساسها تنال الحكومة ثقة المجلس النيابي الذي يشكل في النظم البرلمانية مصدر السلطات ".
ما هي الأسس التي يمكن استخلاصها من الدستور لوضع السياسة الخارجية ؟
"هذه الأسس تستخلص أولا مما ورد في مقدمة الدستور حول الهوية اللبنانية، لبنان عربي الهوية والإنتماء، وهو عضو مؤسس في جامعة الدول العربية ،وعضو في هيئة الأمم المتحدة ، ويلتزم الإعلان العالمي لحقوق الإنسان". ويلفت المصري إلى "مبدأ درج عليه آباء الإستقلال وشاع من بعدهم، ومفاده أن لا معاهدا ، لا تحالفات ولا انحيازات مع أي دولة أخرى . كما أنّه من أيام الرئيسين بشارة الخوري ورياض الصلح تكرس المبدأ الثاني الهام "نحن مع العرب إذا اتفقوا وعلى الحياد إذا اختلفوا"، هذه المقولة عممها آباء الإستقلال وبقيت كقاعدة ذهبية . وينتظر من سياسة لبنان الخارجية أن تندرج ضمن هذه القواعد " .
هل يحق لوزير أن ينفرد بهذه السياسة ؟ وهل يحق للحكومة أن تتبع سياسة خارجية غير تلك التي وردت في بيانها الوزاري ؟
يجيب المصري "وزير الخارجية هو الذي يمارس الإشراف على السياسة الخارجية ضمن هذه الأصول، مستوحياً التوجيهات العامة لمجلس الوزراء . وهو يبلّغ مجلس الوزراء كل فترة ، ما اتخذه من اجراءات ". أما واقع الحال فمغاير تماماً ، " لا يوجد أي إلتزام بالدستور سواء في السياسة الداخلية أو الخارجية ، كما أن الفراغ في موقع الرئاسة أعطى كل وزير حرية التصرف بمفرده ، والأمر ينطبق على كل الوزراء ، ولبنان ضمن عضويته في الأسرة العربية لا يجب أن يكون هارباً أو متخفياً تحت الطاولة ، لا ينأى بنفسه عن الإجماع العربي ، بل يجب أن يشارك في الإجماع العربي إذا اتفقوا وإذا اختلفوا يبقى على الحياد ، هذه هي القاعدة الذهبية ".
ويلفت المصري إلى تجاوزات تحصل في أكثر من مناسبة للبيان الوزاري " أي تعديل في هذا البيان غير جائز، فالحكومة نالت ثقة البرلمان انطلاقاً من بيانها الوزاري، ولا يمنع أن يناقش مجلس الوزراء أي تصرف لأي وزير أساء بالسياسة الداخلية أو الخارجية . كما لا يجوز للمجلس النيابي التخلي عن صلاحية مراقبة الحكومة ، ويستطيع طرح الثقة بأي وزير ".
هذه المبادىء التي يقرأها ويدرسها المصري لطلابه تختفي في لبنان، لتحل مكانها عشرات الأمثلة التي تظهر عمق الأزمة التي تعيشها السياسة الخارجية، وآخرها محاولة الحكومة ترميم "المواقف المؤسفة " لوزيرها في مؤتمر جدّة ببيان جامع ، ومسارعة الوزير نفسه إلى الخروج عن الإجماع بما سماه "الإنحياز إلى الوحدة الوطنية " . واقع جعل الرئيس بري يبق البحصة منتقداً "الثرثرة التي تؤدي إلى الهرهرة ".