يجهد الرئيس سعد الحريري حالياً على ترسيخ حضوره بالقدر الذي ينعكس حيوية سياسية لكسر حال المراوحة التي طبعت المرحلة الراهنة منذ خروج الرئيس ميشال سليمان من قصر بعبدا وأستحالة إنتخاب رئيس جديد. وهو يستفيد من وضعية حكومة الرئيس تمام سلام التي لم تحصد سوى العجز والفشل حتى في ابسط واجباتها، وهي إزالة أكوام النفايات المتكدسة في الشوارع، فحاول الحريري ومنذ وصوله إحداث صدمة إيجابية لإستثمارها من ضمن المعادلة السياسية اللبنانية.
ويقول مراقبون سياسيون أن زعيم تيار"المستقبل" رفع سقفه السياسي في ظهوره الاول في 14 شباط عندما أعلن الحرب للقضاء على الفراغ الرئاسي، قبل أن يسجل سلسلة تراجعات دفعة واحدة لتنحصر جهوده حالياً بعدم الارتباك بكيفية التعامل مع العاصفة الديبلوماسية مع السعودية ودول الخليج العربي بأقل الخسائر الممكنة.
وفي ظل إنفجار الوضع مع السعودية تتلخص إنشغالات الحريري بنقاط ثلاث: اولًاً بلملمة وضع تيار "المستقبل" قدر الامكان جراء بروز اعراض تفسخ تنظيمي وسياسي، وثانياً، تماسك فريق 14 اذار ولو بطريقة هشة. أما النقطة الثالثة والاهم فهي كيفية الحفاظ على الحكومة الحالية كونها ورقة التوت الباقية في النظام اللبناني. فإذا سقطت لا يعود من مفر سوى الذهاب الى مؤتمر تأسيسي، وبالتالي دفن إتفاق الطائف وهو ما يعتبر، في حال تحقق، نهاية الحقبة الحريرية السياسية في لبنان.
لم يشهد تاريخ لبنان مثيلا للغضب السعودي الحاصل، وسط مفارقة متمثلة بفقدان الحريري شخصيا الدورالريادي بترجمة سياسة المملكة وعلاقتها مع لبنان، وقد ألقى فريق 14 آذار بالمسؤولية على الحكومة ووزير الخارجية، ولكن هذا لا يكفي. فالحريري يتلقى الصدمات الواحدة تلو الاخرى من تدرج عقوبات الخليج العربي كسائر اللبنانيين، ومن غير المقبول التصديق بأن عريضته الشعبية وتصاريحاته ستحل الازمة ، خصوصاً أن الطامة الكبرى تكون بإبعاد اللبنانيين عن اراضيها وهو ما لا طاقة للبنان على إحتماله .
في ضوء ذلك يمكن الجزم بأن جميع المعالجات المطروحة لا تلبي رغبات السعودية. ويجمع عدد من السياسيين على أنهم سمعوا جميعاً من السفير علي عوض العسيري قوله مراراً بأن السلطة اللبنانية تعرف ما ينبغي فعله لاجل معالجة وتطويق الازمة الديبلوماسية القائمة.
وفي هذا الاطار يقول وزير بارز في الحكومة إن زميله أشرف ريفي دفع ثمن موقفه المتفرد بإعلان إستقالته من دون الرجوع إلى مرجعيته السياسية، ولكن هذا لا يعني أن ريفي لم يتصرف في ضؤ القرار السعودي القاضي بإشعال المواجهة الشاملة مع إيران، وعليه فإن الارباك الحريري الشديد هو بمقاربة الازمة الديبلوماسية مع السعودية من دون المس بالتوازنات الدقيقة القائمة عليها حكومة تمام سلام.
ويخلص الوزير بقوله إن الحريري لن يحتمل مطالبة كتلة "المستقبل" بإستقالة وزير الخارجية لأن ذلك يعتبر من سابع المستحيلات، كما أنه غير قادر على الانسحاب من الحكومة وفرطها، وبالتالي ليس امامه الان سوى سبيل واحد، وهو تجميد العمل الحكومي راهناً تحت عنوان تصريف الاعمال، وهو ما ألمح اليه الرئيس تمام سلام في تصريحاته الاخيرة .