يرخي القلق بظلاله على الشارع اللبناني تاركاً ألف سؤال وسؤال على ما تخبئه الأيام المقبلة للبنان على المستويات كافة من سياسية واقتصادية وأمنية بشكل خاص، لا سيما بعد توقف المملكة العربية السعودية المفاجئ عن دعم أبرز مقوماته وهي مؤسساته الأمنية والعسكرية في مرحلة دقيقة ومفصلية في تاريخه وتاريخ المنطقة كلها، لاسيما وأنها لعبت أدواراً بارزة في تاريخ أزماته كـ"متطوع" و"مبادر أول" في إنقاذه،
وبالرغم من أن أغلب التحليلات والقراءات المواكبة لقرارات المملكة الأخيرة تجاه لبنان، والتي تجلت في الرجوع عن الهبة العسكرية وما استتبعها من خطوات، فُسرت على أنها عقوبة ستُستتبع بعقوبات أشد، قد تصل الى حد التخلي النهائي عن لبنان، طالما أن السلطة فيه ما زالت مستمرة في الإنجرار والإنصياع لقرارات إيران وحليفها "حزب الله"، راهنة قرار الدولة ونظامه واستحقاقاتها لقمة سائغة في فمهم، إلا أن هذه التحليلات والقراءات وإن بُنيت على دوافع المملكة، وشروطها لإعادة الحرارة لعلاقتها بلبنان، إلا أنها أغفلت الأبعاد الكامنة وراء هذه الخطوات والتي تتجاوز حدود لبنان ككيان قائم بحد ذاته وكورقة صغيرة في حجمها إلا أنها كبيرة في مفعولها،
فمما لا شك فيه أن سياسة السعودية اليوم، اختلفت عن ما كانت عليه في العهود السابقة، فلم تعد تلك الدبلوماسية الناعمة التي لطالما وصفت بها، السلاح الأمضى في حياكة خيوط سياستها الخارجية في علاقاتها الدولية والإقليمية، فالمملكة اليوم هي لاعب مهاجم وشرس على خطوط النار يُحرِك ولا يُحَرّك، يَفرض قواعد اللعبة ولا يمتثل للقواعد التي تُملى عليه، لاسيما بعدما قلب الاتفاق النووي مزاج الدول المعادية لايران الى مزاج أصبحت معه الأخيرة مقبولة، لا بل أكثر، مرحبٌ بها طالما التقت المصالح وتشابكت في بعض الميادين، من هنا كان على المملكة أن لا توفر أي من أوراق القوة التي امتكلتها عبر التاريخ وبقيت محتفظة بها في جعبتها على قاعدة "خبي قرشك الابيض لليوم الاسود" لتضعها اليوم على الطاولة، وهذا ما هو حاصل اليوم وتترجمه على أكثر من جبهة، ولبنان ورقة في هذه الجبهة،
أهمية الورقة اللبنانية وفي هذا الظرف الدقيق، تُقرأ من خلال سعفة "المظلة الدولية الكبيرة" التي أنعمت عليه بها القوى الكبرى، وحرص الاخيرة الكبير الذي تجلى في أكثر من قطوع داخلي وخارجي مرّ به لبنان، كان أبرزها مع اشتعال جبهات الجوار السوري وتداعيات ذلك الخطرة التي ليس لأي بلد آخر مهما كان قوياَ أن يقوى على الدفع بنيرانها عن داخله فيما اذا لم تتوفر له رعاية وحرص دولي كبير على تجنيبه ألسنتها،
تدرك السعودية أكثر من غيرها، وهي الخبيرة في الواقع السياسي اللبناني والأعلم بتركيبته ومقدار حجم القوة التي تمتلكها مكوناته في التأثير على قرارته، أن لبنان لطالما مرّ بظروف قاسية جداً الاّ أنها بقيت على تفاؤلها نحوه "على الرغم من أن كل طائفة فيه تغني على ليلاها" على حد تعبير الأمير السعودي طلال بن عبدالعزيز في العام 2006، إبان ارتفاع حدة الأزمة بين لبنان وسوريا، وهي على ذلك مازالت على يقين بانه في ظل هكذا تركيبة فان العجز سيستمر وليس هناك من إمكانية للمواجهة وانتزاع أي قرار بدون الحصول على توافق متين فيما بين تلك المكونات بدعم ورعاية دوليين، من هنا لم يكن أمام المملكة سوى البحث عن نقاط ضعف القوى الكبرى اللاعبة على خطوط ازمات المنطقة ولبنان إحدى هذه النقاط فكانت خطوات المملكة الاخيرة تجاهه بمثابة هز العصا "فقط" في وجه ماسكي "المظلة الدولية" التي تغطي كيانه بمكوانته، وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأميركية وروسيا بهدف تحقيق مزيد من الضغط عليهم، منبهة إياهم بأن ساحات المنطقة ليست متروكة وحذار اللعب لانتزاع الحضانة من اليد السعودية الأوْلى برعاية أبناء جلدتها وحمايتهم. ومؤشرات ذلك نلخصها بما يلي:
- تفاجؤ الولايات المتحدة بقرار الرياض إلغاء الهبة السعودية للبنان، نقلا عن عضو في الوفد النيابي اللبناني الى واشنطن مؤخرا، حيث أكدت على أن "الاستقرار في لبنان هو خط أحمر" وهناك مساعي أميركية باتجاه الرياض لحثها على إعادة تفعيل الهبة، تزامن ذلك مع تأكيد مصادر أخرى على وجود اتصالات من أكثر من جهة دولية لاسيما أميركية وروسية في سياق تهدئة الاوضاع مؤكدة على أن لا وجود لقرار دولي بتفجير الوضع في لبنان.
- إدراك الممكلة العربية السعودية لنقطة الضعف الروسية المتمثلة، أولاَ بالتنافس الايراني الغير مباشر لها على الساحة السورية، وثانياُ تربص الولايات المتحدة لروسيا "على الكوع" والذي برز جليا في تحذير وجهه وزير الخارجية الاميركي "جون كيري" الثلاثاء الماضي لـ"موسكو" و"دمشق" باقدام الولايات المتحدة الاميركية على طرح "خطة بديلة" لحل الأزمة "اذا لم تكونان جادتين في التفاوض على الانتقال السياسي"، ممهلة موسكو شهراً أو اثنين لترى مدى جدية الاخيرة، معرضة بذلك فرصة موسكو في استعادة نفوذها في المنطقة للضياع، ما دفع بروسيا لاجراء سلسة اتصالات مع الدول المعنية بالصراع الدائر في سوريا، كان للممكلة فيها "حصة الاسد" حيث ابدت موافقتها على البيان الروسي-الاميركي المشترك حول التسوية في سوريا، مستفيدة في الوقت عينه من الحاجة الروسية الكبيرة لتمرير هذا الاتفاق، داعية اياها في المقابل بتحقيق مزيد من الضغط على "ايران" لوقف تدخلاتها في شؤون الدول العربية وفق ما جاء على لسان" وفد لجنة الشؤون الخارجية لمجلس الشورى السعودي" الذي يزور روسيا حاليا.
اذا أبعاد الخطوات السعودية في لبنان التي لن تتجاوز هز العصا أمام ماسكي "المظلة الدولية" لتفويت الفرصة على اي مخطط دولي يمنح ايران ورقة سورية وتباعاً لبنان بصفة "ملحق"، لا يعني أن مدى عصاها لن يطال من ألبسته عباءتها في الداخل اللبناني،ذلك الذي اعتبرته فيما مضى "خير خلف لخير سلف"، من هنا شكلت تلك الخطوات على مستوى الداخل اللبناني مؤشرا عن قرب تخليها عن الاخير بعدما أثبت فشله مرات ومرات، دون ان يطال هذا التخلي الشعب اللبناني كله، وما الخضة التي احدثتها مؤخرا في الداخل اللبناني سوى لإخراج "الزبد" من مكوناته، عبر استخراج قامة سياسية جديدة بحجم المملكة، قادرة على إعادة ترتيب الأوراق السياسة الداخلية اللبنانية بالافعال وليس الأقوال، وبالطبع هذه القامة لن تختصر بشخص معين وانما بفريق متكامل يمتلك الأدوات والمواصفات والقدرة على صنع القرار السياسي وإعادة بث النبض من جديد في قلب الطائف بكافة مفاصله واعادة الوهج لمقام رئاسة الحكومة بما تمثله، وإزالة الاجحاف اللاحق بحق الطائفة السنية بشكل خاص.