ويسأل سائل، وفي سؤاله الكثير من البراءة والكثير من حسن النوايا: لو كان في لبنان رئيس للجمهورية موزون يدير البلاد بحكمة وتوازن، وغير محسوب لا على هذا الفريق أو ذاك، وغير منتمٍ لا إلى هذا المحور الإقليمي ولا إلى تلك الجهة الخارجية، وليست له مصالح شخصية، ومحرر من أي التزامات مسبقة، وغير منحاز، فهل كنا شهدنا ما نشهده من كوارث سياسية واقتصادية واجتماعية وبيئية، وهل كنا قد أدخلنا انفسنا في بحر من الأزمات التي لا تعدّ ولا تحصى؟
ولأن في سؤال السائل هذا الكمّ من البراءة وحسن النوايا، نجيب بالبراءة عينها وبحسن نوايا لا تقّل في خلفياتها قدراً عما في حسن نوايا السائل، وقد يكون في جوابنا ما يفسرّ ما لا يُفسّر في بلد يدّعي أبناؤه، أو على الأقل المسؤولون فيه، أنه بلد ديمقراطي، وهذا ما كان يميزه عن غيره من دول الجوار، في وقت أصبحت هذه الديمقراطية في لبنان وجهة نظر، أو ما يشبه التقمص التشخيصي للنظرية الميكيافلية، أو ابتداعاً لمفهوم جديد لممارسة هذه الديمقراطية التي تلغي الآخرين، أياً كانوا هؤلاء الآخرين.
ولأن جوابنا مستمدّ من الواقع الذي يعيشه لبنان منذ الرابع والعشرين من شهر ايار من العام 2014، ولأننا كنا نتحاشى أي خضّة في العلاقات اللبنانية – اللبنانية كان أي جواب، قبل نشوب أزمة لبنان مع محيطه العربي، منمقّا وتُختار فيه الكلمات والأوصاف بدقة وعناية، وكانت القفازات المخملية سمة من سمات ديبلوماسية التخاطب.
أما وقد بلغت الأمور حدّ السيف الذي بات مصلتاً على رقاب اللبنانيين، في أمنهم ورزقهم وقوتهم اليومي ومستقبلهم ومستقبل عيالهم، فلم يعد من الجائز بعد اليوم التلطي وراء الأصابع ودفن الرؤوس في الرمال والتعامي عن الحقائق، وقد آن اوآن تسمية الأشياء بأسمائها.
ولأن عقارب الساعة لا تعود إلى الوراء، ولأن ظروف اليوم هي غير ما عليه بالأمس، بات الجواب على سؤال السائل، ودائماً ببراءة الأطفال، واجباً يحتّمه قول الحقيقة مهما كانت هذه الحقيقة مرّة وصعبة. والحقيقة هي أن من لا يريد قيامة للبنان من تحت الأنقاض لا يريد رئيساً للجمهورية.
فلو كان في لبنان رئيس لما كانت أزمة بين لبنان، أو بالأحرى بين جزء من لبنان وبين محيطه العربي، وهو المحيط الطبيعي له، على رغم مآخذ البعض على ما في هذا المحيط من تناقضات ومصالح متضاربة.
فلو كان في لبنان رئيس لما كانت رائحة نفاياتنا وصلت إلى أقاصي الارض، ولما كانت صور أوساخنا نشرت على سطوح التلفزة العالمية.
لو كان في لبنان رئيس لما كانت حكومة "المصلحة الوطنية" حكومة مصالح مبعثرة، ولما كان كل وزير فيها يعتبر نفسه بمثابة رئيس للجمهورية، باعتباره وكيلا عن صلاحيات الأصيل، ولما كان تفرد في القرارات والمواقف.
ولو كان في لبنان رئيس لما كان باب مجلس النواب موصداً في وجه التشريع، الضروري منه وغير الضروري، علما أن أي تشريع هو ضروري.
ولو كان في لبنان رئيس للجمهورية لانتظم عمل المؤسسات ولما كان اللبنانيون يركبون موجات الخطر طلباً لحياة أفضل مفترضة في بلاد الله الواسعة.
فلهذه الأسباب مجتمعة ولغيرها من الأسباب لا يريدون أو لا نريد أن يكون للبنان رئيس.