لا شكّ أن الهدنة السورية هي رأس جبل الجليد في التسوية الروسية - الأميركية حول سوريا، والتي عُقدت بشكل شبه كامل، وإن لم تظهر كل نتائجها بعد.
إتفاق القطبين شمل ميدانياً تصعيد الحرب ضدّ تنظيمي "داعش" و"النصرة" على كامل الأراضي السورية، إضافة إلى إنهاء فكرة إقامة دولة كردية مستقلة في الشمال السوري وذلك لعدم إستفزاز تركيا، وإستقطاب دعمها للإتفاق.
يمهد الإتفاق الروسي الأميركي لحل الأزمة السورية سياسياً بما يضمن الحفاظ على الجيش السوري، وضمّ قوات المعارضة السورية المعتدلة لاحقاً له.
إلا أن ثنائي موسكو – واشنطن المنسجم سورياً، كلّف وفق أوساط شديدة الإطلاع، وزير خارجية ألمانيا فرانك - فالتر شتاينماير "هندسة سوريا الجديد"، بمعنى آخر التأسيس للمرحلة القادمة سياسياً، دستورياً، إقتصادياً.
شتاينماير الذي يملك ملفاً كاملاً لسوريا الجديدة، بدءاً من الدستور الجديد الذي يلحظ كون الرئيس السوري "سورياً" من دون ضرورة كونه "مسلماً" ويحدد حجم تمثيل المرأة وغيرها من التفاصيل، وصولاً إلى إعادة تعويم الإقتصاد السوري بما يؤكد إحاطة "الألماني" بشكل متين بكل جوانب الواقع السوري.
يستند الدينامو "الألماني" في مخططه لسوريا على لقاءات عدّة عقدها مع "سوريين فاعلين" الذين كشفوا عن حاجة الإقتصاد السوري لسيولة مادية هائلة عند نهاية الحرب بهدف إنعاش الإقتصاد، فتعهد بتأمينها.
في السياسة، سيُحاول الإتفاق الروسي الأميركي عدم إستعداء دول الخليج عامة والسعودية خاصة. فالإتفاق الذي تمّ بعيداً عن دول الإقليم مهمشاً دورهم، يسعى إلى عدم ترك هوامش كثيرة "للخربطة" المتوقعة في حال كان إنتصار روسيا كاملاً في الميدان، وهذا ما لم يحصل إلى الآن، فالتسوية لن تتم من دون الخليج وتركيا إذ إنهم لا يزالوا يملكون أوراقاً قوية في الميدان السوري، من هنا سيتجنب الروسي الحسم حيث النفوذ السعودي مثلاً في الغوطة الشرقية لدمشق.
لا تبدو إسرائيل منزعجة من إتفاق قطبي الحرب الباردة رغم كل ضجيجها الإعلامي، فهي أول المستفيدين من الهدنة التي حيّدت قبل كل شيء محافظة القنيطرة، وهذا ما يهم إسرائيل إستراتيجياً في كل الحرب السورية كي لا تجد نفسها بين فكّي كماشة "حزب الله" (جنوب لبنان والجولان)، خاصة أن رغبتها بإستنزاف الحزب في الوحل السوري فشلت، لذا فالعرقة مستبعدة إسرائيلياً.