تقنعين نفسك، أخيراً، بأن الوقت هو عدوّك. سوف تخوضان معارك متواصلة، لا رابح فيها ولا خاسر. هذا ما كان ينقص بعد: "معركة" اضافية في حياتك التي تعجّ بجولات النضال والتحدي والمثابرة والصبر. محكومة انت بها منذ لحظة الخروج من الرحم، مع انك تسمعين في ايام النموّ، ان "الحرب" ومستلزماتها، للرجال!
تروّضين هذه "الاحكام" كي تصبح صفات انسانية لا نسائية وحسب. ها أنت تعملين، في وظيفة وربما اكثر، لا "لاثبات الذات" كما يقال، بل لأن العمل انتاجية وتعزيز للشغف وتطوير وحاجة مضاعفة في لبنان في ظلّ الاحوال المعيشية الصعبة وغياب خدمات الرعاية الرسمية. وانت تؤمنين بالمشاركة والتعاون، فتتقاسمين وشريك حياتك، تسديد المتوجبات المادية.
لكنّ نهارك غير "عاديّ". يبدأ باكراً منتصراً على النعاس. تستعجلين تحضير أول جرعة في يومك من الكافيين، وهي أساسية وضرورية كي يتسنى لعقلك تعداد "مهمات" هذا النهار وحفظها. تلبسين على عجل لكن من دون اهمال: الجمال والانوثة مطلوبان! غداً حين تُرزقين بأطفال سوف تواظبين على هذه التدابير لكن برفقة الفجر. عليك توفير الوقت لالباس الاولاد وتحضير الفطور واصطحابهم الى الحضانة او المدرسة. قبل الخروج من المنزل، تجهدين في "ترتيبه" على قدر المستطاع. عليك اغلاق النوافذ، التأكد من ان قارورة الغاز مغلقة باحكام، واطفاء الاضواء.
العودة بعد الدوام صعبة. عادة ما يبدأ التعب بالتسلل في مثل هذا الوقت. سوف تعرجين على "السوبرماركت" لشراء مكوّنات الطعام الذي ستعدينه بعد قليل. ما ان تطأ قدماك عتبة المنزل، وترمين بالاكياس على الارض، يرنّ "جرس" لائحة المهمات التي سجلها العقل صباحاً. تهرولين نحو المطبخ بحثاً عن جرعة كافيين أخرى. طبخ، وغسيل، وتنظيف، وترتيب، وكيّ ملابس، وفتح نوافذ. ومن ثمّ عودة الى طلاء الاظافر. وغداً حين تنجبين الاطفال، سوف توفرين وقتاً لمساعدتهم في الدراسة والاستماع اليهم واللعب معهم قبل موعد الاستحمام وبعده.
تعانين من عوارض صحية مختلفة. يتوّسع الاسود تحت العينين، وتغدو نبضات القلب غير منتظمة. تتحسسين معاناة مع مرض العصر الـStress! غدا سوف تطلبين منه مساعدتك في الامور المنزلية اليومية. انت بحاجة اصلاً الى توفير وقت لحضور، واياه، المناسبات الاجتماعية والعائلية "والواجبات".
كنت تعلمين انه لن يجاهر بالرفض علناً، وسوف يُظهر احسن النوايا. يبدأ بطيّ ثيابه المنتشرة. سوف تبتدعين اكثر من وسيلة لشكره واظهار الامتنان والتقدير على هذه "الخدمة". لكنك توضحين انك بحاجة الى اكثر. سوف يراوغ ويتهرب مبتسماً كالاطفال. تقررين عقد جلسة نقاش واعية: "علينا بالتشارك في كل المسؤوليات والمهام". سوف يخلص الى حلّين: "اتركي الشغل"، او "منجيب وحدة"! وانت لست بوارد اي منهما، لا سيّما الحل الثاني كونك تحاربين نظام الكفالة وسجن عاملة في المنزل على مدار الساعة. سوف ينتهي الجدال بجملة واضحة "هيدا مش شغلي...بعد ناقص البس مريول"!.
تتصفحين الانترنت فتقرأين خبراً من فرنسا: "لم نتوّصل بعد الى مساواة تامة بين الرجل والمرأة اذ تظهر الوقائع ان 80% من الاعمال المنزلية لا تزال على عاتق السيدة". تقعين على خبر آخر يتحدث عن ان الوالدين السويديين يحصلان على 480 يوما كاجازة ابوة وامومة مدفوعة، وانه يخصص لكل طرف 90 يوماً لا يمكن الاستغناء عنها لصالح الطرف الآخر. تدركين كم ان هذه الدولة تعمل جاهدة لتحقيق المساواة، بل اكثر، لضمان المشاركة في تربية الاطفال واحتضانهم.
في نشرة الاخبار المسائية، تقرير يسلّط الضوء على المرأة في لبنان. تتابعينه وانت تفكرين: ثمة نساء معنفات، مقتولات، مُغتصبات. ثمة نساء محرومات من المدرسة والجامعة والوظيفة. ثمة نساء يتمّ استغلالهنّ، او تحقيرهن باعلان او نكتة، او اقصائهن عن مراكز القرار...تخلدين الى النوم وانت تقنعين نفسك بأنك "بالف خير"، وبأن عدوّك هو الوقت، ولا شيء سواه!
وذات صباح، تصحين على ضجيج. صغيرك أحبّ ان يلهو بالمكنسة الكهربائية. تقاطعين ضحكته "ردها لمحلا... مش شغلك"!.