كل التلامذة، غالباً، يكرهون المدرسة باستثناء من هم "عباقرة" في صفهم.. إنها حقيقة مثبتة جماهرياً وعلمياً وعلى نحو عقود من الزمن. فمَن مِن الطلاب لم يسأم و"يلعن" لحظة ولادته في كل مرة إستيقظ فيها، مرغماً، للذهاب إلى المدرسة. معاناة صباحية ومعركة مفتوحة الجبهات مع العلم وأهله. واجبات وتحضيرات ودرس وامتحانات وتنظيرات من معلمين "سيئين" بكل الاحوال، حقد وضغينة واستياء ونكد على من كان سبباً في معاناتهم الاولى في الحياة، إنه المُعلم، أحد أبرز المكروهين في هذا السجن على مدى 8 ساعات يومياً.
وبعد مرور السنوات، حين ينتقل الطالب "السابق" إلى مرحلة النضج وتتفاقم المسؤوليات الحياتية المترتبة عليه لتصبح عبئاً يومياً، يخوض معركته الحقيقية في الحياة، يتأمل الزمن الجميل الماضي ويندم. يقول في الملأ: ليتني أعود إلى مقاعد الدراسة وأقف في الصف!. يبتسم حين يستذكر معلماً دون آخر لسبب معين، ربما جملة قالها ما زالت عالقة في ذهنه أو نصيحة مستقبلية صَدقت أو أسلوبه في توصيل الفكرة، التي لم يدركها سابقاً لانشغاله في إثبات الذات.
في الصف، يتحمل المُعلم الكثير من المشاغبات، يقول في سره إنهم أطفال، فيقرر التعامل مع تلامذته بتعقل وصبر، فجأة ينفجر ويُظهر الوجه الآخر، حازماً جدياً معاقباً. أما الطالب فلا يستكين، ينشر الدعابات السمجة أحياناً فيضحك الجميع، يتملص من الدراسة بالوشوشة والخبريات، يكذب مراراً وتكراراً على معلمه، "ينقف" قلم الرصاص على وجهه ثم يستعصي منه المسامحة، يغش وينكر الامر أمامه بكاءً وتبجيلاً، يقلده حيناً ويبتكر مواقف مضحكة حيناً، كل شيء إلا الدراسة والإستماع إليه. أما مدمني الدرس (NURD) فهم محبوبون عند الأساتذة لكنهم في المقابل أعداء زملائهم!
الحديث عن المدرسة والمعلم يطول ويطول، إنها ذكريات زمن العصا السحرية، التهديد الأكبر لأي تلميذ، المادة الرعب "Math"، اللغة العربية "السهل الممتنع" الإنجليزية "مادة التحدي"، أما معلم التاريخ فهو "العقدة الاكبر"، أرقام وأسماء وصفحات من الحفظ عن العهد العثماني والحربين الأولى والثانية.. إلخ. حفظ عن ظهر قلب ولا أهمية للفهم، منهج الدراسة يتطلب الرد على السؤال فقط لا غير. أما خفقات القلب المتسارعة وارتفاع الضغط، حالات الإغماء، العويل كلها تُذكر باللحظة الأصعب.. توزيع علامات الفصل. وفي حال الفشل الحق دائماً على المُعلم واسلوبه الخاطئ في الدرس وانتقاء الأسئلة.
لكن، وبعيداً عن دوره النبيل في المجتمع، فهو المُدرس والمربي والمسؤول عن جيل كامل، للمعلم معاناته أيضاً: تحضير الدرس وإنتقاء الطريقة الأجدى لتوصيل الهدف، تحمل صعوبات المواجهة اليومية مع طلاب يمقتونه ويتمنون له الموت، خصوصاً في عيده، غض النظر عن الكلمات المتراشقة من كل حدب وصوب المسيئة له، تفهم كل طالب بحسب ظروفه والتعامل معها بحكمة..
هو ليس رسولاً فحسب، بل قاموساً من المعرفة وسفينة مراكبها مشرعة وما على الطالب الذكي إلا الإستفادة من بحر المعرفة المتاح له، إنه عامود المجتمع ومرشده. وبحسب حكمة أحد المستشرقين، إذا أردت أن تهدم حضارة، فهناك ثلاث وسائل هي: هدم الأسرة (إلغاء دور الأم)، هدم التعليم (لا تجعل للمعلم أهمية في المجتمع وقلل من مكانته حتى يحتقره طلابه)، إسقاط المثال والمرجعيات (الطعن في أفكار العلماء).
وبغض النظر عن خروج بعض المعلمين عن دورهم "الحقيقي" والأسلوب الخاطئ لآخرين، فإن دور المعلم ليس تعليمياً بقدر ما هو تنويري تثقيفي، هو شمعة مضاءة في وجه ظلام الجهل، السلاح الوحيد لخوض معارك ضد الثقافات الخاطئة، الأمل المتبقي لتنوير المجتمع وزيادة الثقافة التعليمية، المساهم الاول في بناء الفرد الصالح، هو المخلص والمُخلِّص في نهضة الأمة.
ولطلاب هذا الجيل، جيلٌ إستبدل الطباشير واللوح الخشبي بـ"آيباد" و"آيفون"، يوماً ما سترددون مثلكم مثل غيركم هذه الأمنية: "كم أتمنى الرجوع إلى مقاعد الدراسة"!.