بالرغم من "الجعجعة" الإعلامية التي تسعى القوى السياسية على إظهارها عبر تصريحاتها المكثفة وزياراتها وإجتماعاتها الحكومية والحوارية بحجة البحث عن مخارج حل لكارثة "الفراغ" الذي يتغلل في صلب مؤسسات الدولة اللبنانية، إلاّ أن واقع الأزمات المحيطة وما يرافقها من حراك إقليمي ودولي يفضح الحقيقة الكامنة وراء هذا "الفراغ" المرتبط أمر حلّه بالعقد الخارجية التي أخذت من لبنان رهينة لها، وورقة يتم التلاعب بها عند كل منعطف صغير وكبير.
هذا الواقع المرير الذي يعيشه لبنان حالياً، لم تتردد بعض القوى الكبرى من فضح أسبابه وربط أي حل فيه بالحل الذي ترتأيه تلك القوى للأزمات المحيطة به، وربما كان أبلغ من عبّر عنه، وبصراحة، ما تداولته إحدى الصحف اللبنانية عن لسان مصدر دبلوماسي روسي رفيع أعرب فيه عن "عدم تفاؤله في إمكانية إجراء الإنتخابات الرئاسية اللبنانية قريباً بسبب عدم توافر المعطيات الإقليمية والداخلية"، مشيراً إلى الخطر الإرهابي المتمدد في سوريا والذي "طالما طرق أبواب لبنان الحدودية" معولاً على "أهمية تحرير سوريا من الإرهابيين التي تقوم بها روسيا للتضييق عليه ومنع تسلله إلى لبنان ما ينعكس إيجاباً عليه".
إذاً يأتي اهتمام اللاعب الروسي ومن ينسق معهم في "تحرير سورية" من المدّ الإرهابي، على حد تعبيره، الخطوة الأهم والأساس التي يضعها الأخير نصب عينيه، ورسالة روسية غير مباشرة إلى أن لبنان في عين العاصفة ولكي يتمكن من "أكل العنب عليه أن لا يقتل الناطور" وبالتالي عليه التعاون ومجاراتها في سياستها التي رسمتها دبلوماسياً وعسكرياً.
لاشك أن الأزمة السورية بدأت تسلك طريق الحل السياسي وبقوة، مع جلوس "وفد الحكومة السورية" و"الهيئة العليا للمفاوضات" الممثلة للقوى المعارضة على طاولة واحدة، وحصول اتفاق أممي بـ"وقف الاعمال القتالية" وأن سجل خروقات محدودة له، ووجود قرار حاسم وحازم من القوى الكبرى لاسيما أميركا وروسيا، على إنجاح المفاوضات المقرر عقدها في منتصف الشهر الجاري مع استبعاد أي حل عسكري للأزمة السورية، "ويجب أن يكون ذلك واضحاً للجميع" وفقاً لما صرح به "جو بايدن" نائب الرئيس الأميركي الذي يقوم حالياً بجولة إقليمية انطلاقاً من أبو ظبي في هذا الإطار.
إذاً أمام هذه المساعي والمواقف الحاسمة والحازمة التي يجري توزيع رسائلها الى من يعنيهم الأمر أولاً، يبدو أن الإنفراج الداخلي المطل على سوريا سيُخرج في دربه نار اللهب المشتعل فيها الى الأطراف الحدودية السورية اللبنانية التي تعاني هشاشة كبيرة على كل المستويات، وتشكل بذلك أرضية خصبة لتحريك جبهاتها من قبل التنظيمات الإرهابية الهاربة من المواجهة الداخلية السورية والساعية الى التعويض عن خسارتها بتوسيع رقعة تواجدها فيها، وصولاً إلى الداخل اللبناني الذي لطالما سعت وحلمت في رفع راية إمارتها في شماله بشكل خاص، وقد تكون منطقة "عرسال" خشبة الخلاص الأسهل لها في هذه المرحلة، وما شهدته جرود عرسال بالأمس وسابقا من معارك شرسة خاضها الجيش اللبناني في مواجهتها خير دليل على ذلك.
ولكن السؤال الذي يُطرح أمام هذا الواقع، ماذا لو تفجر الوضع الأمني في عرسال وتفلتت من عقال الدولة وتمكنت تلك التنظيمات الإرهابية من التغلل إلى قرى لبنانية أخرى، كيف سيتم التعامل مع هذا الواقع حينها على المستويين الداخلي والخارجي؟!
لقد أظهر الاستقرار المعلق على "القشة" الخارجية الذي نعم به لبنان طيلة السنوات الأخيرة على الحاجة الدولية لهذا الاستقرار والذي ترجم من خلال جمع الأضداد في حكومة واحدة وعلى طاولة حوارية واحدة دون أن يتعدى هذا الجمع تمكين أي فريق فيها من انتزاع استحقاق دستوري أو قرار سياسي واحد، وربما ما يعكس هذه الحاجة هو الإمتعاض الأميركي الأخير من موقف المملكة العربية السعودية على خلفية رجوعها عن الهبة العسكرية للجيش اللبناني والتي وصفت إحدى المصادر الأميركية "الهبة "حينها بأنها "تمثل الدور الأكثر نشاطاً الذي تلعبه المملكة في الشرق الأوسط سياسياً"، الأمر الذي قوبل بنصيحة أسداها الأميركييون للبنانيين عبر قائد الجيش اللبناني "العماد جان قهوجي" لدى زيارته الأخيرة الى الولايات المتحدة الأميركية بضرورة "الحفاظ على الجيش اللبناني والدولة حتى تمر العاصفة"، هذا عدا عن وعد تلقاه الأخير منها بتسليم الجيش اللبناني 6 طائرات "سوبر توكانو" لقصف الارهابيين.
إذاً مؤشرات الحاجة الدولية لاستقرار لبنان وما رافقها من دعم عسكري تعكس في المقابل وقوف لبنان على أبواب مواجهة إرهابية محتملة قد تفتح ساحة لهب جديدة في شكلها تحمل عنوان "محاربة التنظميات الارهابية" وإنما بأدوات ستتنوع بين الحديد والنار، خاصة فيما اذا توسعت رقعتها وقررت لذلك دول خارجية المؤازرة ودعم الجيش اللبناني تحت العنوان الاخير، فماذا سيكون عليه حينها موقف روسيا وأميركا وايران والمملكة العربية السعودية بشكل خاص إزاء أي مؤازرة ومن أي جهة كانت؟!
ربما واقع الحال هذا قد يعيد بالذاكرة الى العام 2007 حيث قدمت واشنطن الى لبنان حوالي 77 مليون دولار أميركي، وهي أعلى قيمة مالية تقدمها له لتغطية مساعدة عسكرية للجيش اللبناني لتعزيز قدراته في مراقبة المعابر الحدودية، وفسرت خلفية هذه المساعدة حينها بسعي الإدارة الأميركية برئاسة "جورج بوش" لتعزيز قوة الجيش اللبناني كقوة عسكرية لها وزنها في مقابل حزب الله، نظرا للحاجة الملّحة لمراقبة المعابر الحدودية اللبنانية مع سوريا منعاً لإعادة تزويد حزب الله بالسلاح. فهل سيتكرر سيناريو العام 2007 اليوم وإن باخراج مختلف؟! وماذا سيكون عليه موقف حزب الله في حال توسع اطار الدعم الأميركي للجيش اللبناني ليصل للطلب من الأخير إلى القيام بما يجاوز حالة محاربة داعش وأخواتها؟!
بالطبع تبقى الإجابة عن كل هذه التساؤلات رهينة مسار رياح الحل الخارجية وما ستخلفه جولات معاركها الاخيرة من تداعيات على المنطقة بشكل عام ولبنان بشكل خاص، إلاّ أنه ما بات مؤكداً أن مشهد التعطيل المتعمد لمؤسسات لبنان الدستورية واستحقاقاته ليس إلا مؤشراً على أن دور لبنان في التغيير لم يحن بعد وهو بكل حال على موعد مع وجه سياسي مستقبلي جديد له وبمعالم مختلفة لن تسلم فيها المحرمات الدستورية والميثاقية التي ضبطت تركيبته وكيانه منذ اتفاق الطائف وحتى اليوم.