حرفان فقط يختصران الحياة كلّها، بتفاصيلها المتناقضة بين الجمال والسعادة من جهة، والحزن والصعاب من جهة ثانية: إنّها "أمٌّ".. امتلكت العالم بعطفها، فهي صلبه وأساسه. الكون متمحور حولها، فهي "الخالقة" والمربية والمعلّمة. ولكن التقدير يتفاوت بين مَن عَرَفَ قيمة والدته، ومن تجاهل حنيّتها. وما أصعب حياة الأمّ من دون أولادها، خصوصًا إن كان الفراق إلزاميًا.
في عيد الأمّ، ينشغل الجميع بمعايدة والدته، إلّا من كان بعيدًا عنها. ففي لبنان، عاملات أجنبيات كثيرات، جئن إلى بلد غريب لتأمين لقمة عيش وحياة كريمة لعائلة انفصلن عنها بالجسد، ولكنهن يأملن بإسعادها، ولو بالمساعدة المادية فقط، فـ"البعد جفا".. هذه هي حال العاملة السريلانكية "هانا"!
تركت "هانا" ابنها الرضيع وابنتها (3 سنوات) في سريلانكا، وجاءت إلى لبنان لتعمل كـ"خادمة"، على أمل تحسين أوضاعهم المالية، وذلك بعد انفصال زوجها عنها. فبقي الطفلان مع جدّتهما التي ترعاهما، وتنتظر المال الذي ترسله ابنتها هانا شهر بعد آخر. ومرّت الأيّام، والأسابيع، والأشهر المريرة، سنة بعد أخرى من دون أن تتمكن من العودة، إذ كبر الأطفال، وأنهوا دراستهم المدرسية، وازدادت مصاريفهم مع دخول الجامعة، بحسب ما روت هانا لـ"لبنان 24".
اليوم، بعد 20 عامًا على مجيئها إلى لبنان، ورغم زياراتها المتكرّرة إلى وطنها الأم، تقول هانا إنها فقدت إحساسها بالأمومة. هي التي ضحّت بكلّ شيء من أجل طفليها، غدرها الوقت والزمن، فعاشت من دونهما، حتى أن الرابط بينهم أصبح مقتصرًا على الماديات بحسب ما قالت متحسّرة. وتضيف: "لا عاطفة، ولا مشاعر، خصوصًا من قبل أولادي، فلولا زياراتي القليلة إليهم، ما كانوا ليعرفوني حتّى. تركتهم وهم ما زالوا أطفالًا. غادرتُ رغمًا عنّي، فكان من واجبي أن أعيلهم، وأن أؤمن الأفضل لهما، من دون أن أُدرك حينها قيمة العاطفة والحنان التي سيفقدونها".
في هذا الصدد، أوضحت الباحثة والاختصاصية في علم النفس العيادي د. بولا حريقة أن "شعور الأم البعيدة عن أطفالها، يختلف بين امرأة وأخرى، بحسب الحالة التي مرّت بها، فالأمر مبنيّ على طبيعة العلاقة مع الاولاد، بالإضافة إلى العلاقة مع الزوج، إن كانت مستقرّة أم هناك انفصال ما"، مشيرة إلى أنه "بشكل عامّ، تختلف مشاعر العاملات، اللواتي وصلن جديدًا إلى بلد غريب، فيشعرن بالرهبة والحسرة، إلّا أن ذلك قد يختلف إن كان هناك أولاد في المنزل الذي تعمل به".
وأضافت حريقة في حديث لـ"لبنان 24"، إن "المشاعر تتأثر أيضًا بالاحتفالات التي تجري في بعض المنازل، فقد تكون ضخمة ما يحفّز الشعور بالغيرة والدونية والنّقص عند العاملة، خصوصًا إن لم يتمّ مشاركتها بالاحتفال".
في المقابل، لفتت إلى أن "بعض السفارات أو المجموعات، تُقيم احتفالات وتجمّعات فتنفح بالمرأة العاملة شعورًا بالفرح والشوق، بالإضافة إلى المساواة لأن الجميع في الوضع نفسه، ما يعزّز المشاعر الإيجابية".
من ناحية ثانية، شدّدت حريقة على أن "الثقافة الموجودة في الدول التي تأتي منها العاملات، مختلفة عمّا في منطقتنا، فالرجل يبقى ويهتم بالأطفال، في حين تسافر المرأة للعمل في الخارج، وبالتالي تكون العاطفة الجيّاشة بنسبة أقلّ ممّا هي بالشرق"، مؤكدة أنه "من الطبيعي أن تنخفض نسبة العاطفة مع مرور الوقت، فيتحوّل إحساس المرأة إلى شعور الرجل الذي يؤمن المال".
أمّا عن الاولاد، فأشارت حريقة إلى أن "الموضوع رهن الأهل، أو من يعتني بالأولاد، في بلادهم، إذ أن كيفية الحديث عن والدتهم، فإمّا يُشعرهم بالوفى والتقدير والتضحية تجاهها، أو العكس، بالإضافة إلى نوعية الاتصالات بينهم إن كانت متواصلة ودائمة أم لا، فالأمر خاضع للتغيّر، وقد تشتعل العاطفة أو تُخمد"، مؤكدة أن "لا شيء مطلق، فلكلّ حالة وضعها الخاصّ".