لا حاجة لقيادة "التيار الوطني الحر" كي تقلّب صفحات الإعلام الاجتماعي وتنقّب جدرانه أو تتنقل خلسة بين مجموعات الحزبيين على تطبيق "الواتس اب" بحثاً عن "متهم" تقبض عليه بجرم الانتقاد المشهود للقاء خالد الضاهر مع بيار رفول. الفضاء البرتقالي كان بالأمس بكليته "مجرماً".
باستثناء قلة من العونيين راحت تسرد سلة تبريرات لا تقدم او تؤخر عن حيثيات لقاء لا يُفهم لا بالمنطق السياسي ولا الاجتماعي، إلا أنّه ضمن حفلة الصخب التي يفرضها الموارنة حين يكون الزمن زمن رئاسة الجمهورية فيصبح حينها كل شيء متاحاً ومباحاً وخارقاً للقواعد العامة وحتى المنطقية... فإن الجمهور البرتقالي بدا بالأمس في حال غضب، أو بالأحرى لا يصدق ما تراه عيناه وتسمع أذناه. بالنسبة له ثمة قاعدة واحدة لا تزال ثابتة: الرئاسة تبرر كل انقلاب!
صحيح أنّ ميشال عون أثبت على مدار زعامته وحضوره السياسي أنه يتمتع بقدرة استثنائية على أخذ جمهوره الى حيث يريد، يسرة أو يمنة وفق حساباته السياسية واستراتيجيته، فيحملهم مثلاً من ضفة العداء الى سوريا الى ضفة الدفاع عنها، أو من خيار شيطنة الحريرية السياسية الى مربع التفاهم مع سعد الحريري استعداداً لمصافحة رئاسية...
لكنه كان في كلّ مرّة يحرص على مدّ جمهوره بحقنات الاقناع المخففة تمهيداً لتقديم "طبق" المتغيرات السياسية. أمّا اليوم فيبدو الرجل غير مكترث لردة فعل ناسه أو لمدى تقبّلهم لأيّ خطوة قد يقوم بها ولا تكون في حسبانهم. هكذا لم تمر ليلة القبض على "لقاء الضاهر- رفول" مرور الكرام. فلا العونيين بدوا متقبلين لهذا المشهد ولا قيادتهم بدت معنية بتوضيح ملابساتها أو شرحها.
كلّ ما في الأمر، أنّ ما تفرضه الرئاسة من تكتيك أو "تنغيم" على الآخرين، يتغلب على غيره من الاعتبارات. فيما تأتي بقية الحسابات من بعدها. من هذا المنطلق، من المتوقع أن تشهد الانتخابات البلدية المنتظرة لوحات غرائب وعجائب في التركيبات المحلية قد لا تخطر على بال أو خاطر، خصوصاً وأنّها لن تُترك لحالها في الخصوصيات العائلية، ويراد من نتائجها أن تستثمر في السياسة لتشكل شاهداً إضافياً في معركة الرئاسة المعلقة على مشنقة الصراع الاقليمي.
بهذا المعنى لن يكون هناك ممنوعات أو محرمات. كل شيء سيكون في متناول اليدين. وستكون القيادات الحزبية حاسمة في خياراتها حتى لو كلفها الأمر نزاعات داخلية مع القواعد. لهذا الاستحقاق أهمية قصوى كونه يُلعب على حلبة الرئاسة "القاتلة"، وكونه يسبق أيضاً الإستحقاق النيابي المرحّل من ثلاث سنوات.
وبالتالي، ستفرض الحسابات النيابية نفسها على الخارطة البلدية ولن يكون هناك مكان لاعتبارات الجمهور ولا لتاريخه النضالي أو حتى لثوابته وقناعاته. ستقاس على طريقة الحاجة الى أصوات المفاتيح النيابية المستقبلية وكيفية العمل لاستقطابها. أما ما يدور في أذهان القواعد من تساؤلات محيّرة، فتلك مسألة أخرى لن تكلف القيادات الحزبية نفسها حتى عناء التفكير بها...