شكلت زيارة الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون للبنان مادة للسجال بين الأفرقاء اللبنانيين، على خلفية الهواجس القائمة من توطين النازحين السوريين أو جزء منهم في لبنان. لا سيما وأن قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254 تضمن الطابع الطوعي، لا الإلزامي، لعودة هؤلاء إلى بلدهم. فهل يشكل هذا الجانب مدخلاً لتوطين مقنع أو مبطن، خصوصاً وأنه ترافق مع سعي المجتمع الدولي للحد من تفاقم أزمة اللجوء إلى أوروبا؟ وهل من تدابير معينة يمكن للحكومة أن تتخذها لإحباط أي مخطط للتوطين؟
أستاذ القانون الدولي العام الدكتور شفيق المصري يلفت عبر "لبنان 24" إلى خطأ حصل بالأساس من قبل الحكومة اللبنانية عندما قبلت بتسجيل اللاجئين السوريين بمثابة لاجئين على قاعدة قانون تنظيم شؤون اللاجئين عام 1951، وهي اتفاقية دولية اعتُمدت في 28 تموز عام 1951 ، تقضي بأن كل شخص يُسجل في (UNHCR) أي مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، يتمتع بالحقوق التي تلحظها هذه الإتفاقية، ومن هذه الحقوق تقديم المساعدات الإنسانية، وعدم إلزام اللاجىء بالعودة إلى بلاده قسراً، طالما أنه يشعر بخوف أو بخطر على سلامته، وطالما أن الظروف الموجودة في بلده الأصلي لم تستقر بعد. وبالتالي ما قام به مجلس الأمن بموجب القرار 2254 جاء تنفيذاً لهذه الإتفاقية، وهو لم يحدث مسألة طوعية العودة، بل حاول الإلتزام الحرفي بالإتفاقية الدولية الخاصة باللاجئين، ومجلس الأمن لا يستطيع أن يشكل مصدراً من مصادر القانون الدولي. هؤلاء تسجلوا في المفوضية العليا لشؤون اللاجئين وهذه المفوضية تنفذ الإتفاقية الدولية لشؤون اللاجئين".
ولكن هل الحكومة اللبنانية ملزمة بهذه الإتفاقية؟ وهل يمكن تصحيح هذا الخطأ؟
يرى المصري أن الخطأ لا يمكن استدراكه الآن إلا في حال عمدت الحكومة اللبنانية إلى تقديم مراجعة إلى الهيئة ذاتها، من أجل أن تستثني أحكام الإتفاقية الدولية لشؤون اللاجئين من وضع هؤلاء، أي أن تستثني الوضع من أحكام مادة (طوعية العودة)، والمراجعة ممكنة لأن لبنان غير موقع على هذه الإتفاقية وبالتالي غير ملزم بتطبيقها. ويمكن الإستناد بعدها أيضاً إلى نقل هؤلاء إلى ملاذات أو أماكن آمنة في بلدهم، ويمكن لمنظمة الأمم المتحدة أن تنظر بهذا الموضوع.
وأضاف المصري: "اليوم هناك ضرورة لإستدراك الأوضاع، وهناك عدة مبررات لطلب المراجعة، وهذه الضرورة ممكنة بالإستناد إلى:
1-أن لبنان لم يبرم هذه الإتفاقية وبالتالي هو غير معني بها.
2-لا يمكن تطبيق الإتفاقية على هذا الكم الهائل من النازحين، لأن الموضوع لم يعد يتعلق بعشرات بل بعشرات الألوف.
3-أن المساعدات التي تعطى لهؤلاء هي مساعدات مؤقتة، والفكرة اساسية تتمحور حول مساعدات وممرات آمنة للمدنيين لإنقاذهم، لذلك يمكن إنقاذ هؤلاء في ملاذات آمنة في بلدهم الأصلي".
على النطاق المحلي ينص الدستور اللبناني في مقدمته على رفض التوطين "كما أنّه لا يصح التوطين بالنسبة لهذا العدد الكبير، سواء من قبل مرسوم صادر عن رئيس الجمهورية، أو ضمن تشريع وطني".
هذه الثغرة التي ارتكبتها الحكومة مردها إلى غياب أي رؤية واضحة لديها، وكذلك حال الحكومات المتعاقبة، وما يحصل اليوم من تملص بعدم استقبال الأمين العام للأمم المتحدة كما يجب، هو خطأ كبير بنظر المصري ونوع من المزايدة المحلية التي لن تجدي نفعاً.