منذ أن كانت نكبة فلسطين وتهجير أهلها إلى شتى أقاصي المعمورة، وكان للبنان مسؤولية كبيرة للتخفيف من معاناة اناس أجبروا على ترك مدنهم وقراهم وبيوتهم وارزاقهم، لم يغب شبح التوطين عن سماء لبنان، وأن كانت تعلو أحياناً الأصوات التي كانت تطالب به لغايات لم تعد مخفية، وتخبو أحيانا اخرى. إلا أن هذه الأصوات لم تلق إجماعا لبنانيا في يوم من الايام، حتى في عزّ قوة منظمة التحرير، وتسلطها على قرار بعض اللبنانيين، وهي كانت تسعى ربما إلى أكثر من توطين لا يلبي طموحات "الختيار"، الذي كان يحلم بإنشاء وطن بديل على ما كان يُعرف في السابق بـ"فتح لاند".
وعلى رغم ما كان أبو عمار يتمتع به من نفوذ على الساحة اللبنانية في حينه، قبل أن يضطر إلى اللجؤ إلى تونس، بعد الاجتياح الإسرائيلي العام 1982، وقد وصلت دبابات العدو إلى مشارف القصر الجمهوري في بعبدا، سقط حلم التوطين وسقط مشروع الوطن البديل، وأصبح بمثابة سراب أو بعبع لا يخيف، ما دامت الإرادة اللبنانية تقف في وجه هذا المخطط صفا واحدا في رفضه والحوؤل دون تحقيقه. ولو أن الإرادة اللبنانية كانت غير متشددة في حينه لكان التوطين اليوم واقعا، ولكان ترافق ذلك مع ما كان يراود بعض اللبنانيين من أحلام اتخذت تسميات عدة تراوحت بين التقسيم والفدرلة.
فإذا كان التوطين مستحيلا في ذاك الوقت مع الفلسطينيين، وكذلك التقسيم وكل ما يدور في فلكهما فإنهما أكثر من مستحيلين اليوم مع النازحين السوريين الذين لم يبلغوا بعد درجة اللجؤ، كما هي الحال مع الفلسطينيين، المحتلة أرضهم من قبل عدو متغطرس يسعى كل يوم إلى التمدد في مخططه الاستيطاني، باعتبار أن الحرب في سوريا مهما اشتدت وبلغت أقصى درجات العنف غير المسبوق ستشهد نهاية قد تطول أو تقصر، لكنها آتية لا محالة، إذ لم يسبق لأي حرب أخرى أن بقيت مفتوحة إلى ما لا نهاية. وعندما تنضج التسويات وترسم الحدود الوهمية لهامش الصراع الدموي الدائر على الأرض السورية، وعندما يستتب الأمن فإن أغلبية السوريين النازحين سيعودون إلى أرزاقهم وبيوتهم، وهم أجبروا على تركها على أثر ما تعرضوا له من ممارسات غير انسانية.
وهذا الأمر يقودنا إلى الجزم بأن ما يلّوح به البعض لجهة توطين السوريين يخرج عن سياق المنطق، وهو يدخل في إطار المزايدات ليس إلاّ، ولا يعدو كونه قنابل دخانية في محاولة لتغطية بعض من فشل في أمكنة أخرى.
فالتوطين ليس شبحاً ولا بعبعباً، وللذين يحاولون اللعب بناره نقول "خيطّوا بغير هذه المسّلة".