كثيرة هي البدع التي يحفل بها القاموس اللبناني، والتي تجعل من الدستور والميثاق في مجمل الإحيان "قميص عثمان"، فنرى كل فريق يجتزئ من الدستور ما يناسبه لغاية في نفس يعقوب، متجاهلاً أن النصوص الدستورية التي تنظم الدول وتحدد قواعدها، هي كلٌ لا يتجزأ.
إحدى هذه البدع الفاقعة، أن يدخل مجلس نيابي في نظام برلماني في سبات عميق يستمر سنوات تحت مسمّيات عدة، في آخر فصولها قدم المسرح البرلماني عشرات العروض الرئاسية الفاشلة حتى قارب الفراغ الرئاسي على إطفاء شمعته الثانية . ومن أزمة الفراغ تفرعت أزمات وتشعبت، فأحالت المشهدية البرلمانية جموداً وجماداً.
الطبيب الذي نجح في ابتكار عقاقير شافية لبعض الحالات المرضية، وإن أخذت عليه مصادر نيابية إنه كان شريكاً في الداء في محطات سابقة "عندما تم إقفال المجلس النيابي عام 2005 أمام المحكمة الدولية الخاصة بلبنان"، يجهد اليوم لإنتشال المؤسسة الدستورية الأم من الغيبوبة المزمنة، ليعيد إليها الدور التشريعي، إن كانت الأدوار الرقابية والإنتخابية مستعصية. فهل ينجح الرئيس نبيه بري في مهمته، بعدما رفع العماد عون سلاح "الميثاقية المسيحية" بوجهه؟
ويشدد النائب روبير غانم في حديث لـ "لبنان 24" على "وجوب الإنتقال من تشريع الضرورة إلى ضرورة التشريع، لا سيما وأن اللجان النيابية أنجزت العشرات من القوانين والمشاريع وأحالتها إلى الهيئة العامة، بإنتظار البث النهائي بها وإقرارها". وعلى سبيل المثال، ترميم المواد التي أبطلها المجلس الدستوري من قانون الإيجارات، ومن شأن إقرارها وضع حد للجدل القائم بين المالكين والمستأجرين حول هاتين المادتين.
النائب سمير الجسر يذهب أبعد من تشريع الضرورة "هذا المصطلح ابتكرناه بعيداً عن الدستور، وبرأي كل المشاريع والقوانين هي ملحة وضرورية، وإلا لماذا درست ووضعت؟". أمّا تعهد تيار المستقبل بعدم حضور أي جلسة تشريعية لا يكون قانون الإنتخاب على جدول أعمالها، كان له ما يبرره في حينه بحسب الجسر "ما فعلناه كان بقصد إنقاذ الميثاقية وتمرير جلسة تشريعية تقر القوانين المالية اللازمة تجاه إلتزامات لبنان الدولية والمحكومة بمهل". أمّا الرئيس بري "فغير معني بهذا التعهد" بحسب ما أكد النائب ميشال موسى. كما أن المستقبل نفسه يسعى بدوره للتحرر من تعهده لا سيما وأنه ُقطع في وقت لم يكن قد أُبرم تحالف عون – جعجع، "كما أن اللجنة التي أوكلت درس قانون الإنتخاب فشلت في التوصل إلى رؤية مشتركة".
حلف معراب الرابية أنتج موقفاً مشتركاً من مقاطعة التشريع، وإن اختلفت التفاصيل، فالقوات تشترط إدراج قانون الإنتخابات، فيما البعض يراه شرطاً تعجيزياً في ظل العجز عن التوصل إلى توافق على قانون جديد، والتيار الوطني الحر الذي شارك في جلسات سابقة تحت عنوان تشريع الضرورة، بات اليوم يتحدث عن ميثاقية مفقودة، ولو أن البعض وضع موقفه الجديد في إطار رد التحية لعين التينة بتفضيلها منافسه الزغرتاوي لرئاسة الجمهورية. أمّا "الكتائب" فموقفها منذ البداية بعدم جواز التشريع في ظل الفراغ، "باعتبار المجلس هيئة ناخبة ولا يحق له القيام بأي عمل آخر".
"أنا أبو الميثاقية فلا يعلموني إياها"، هكذا يرد رئيس المجلس، فالميثاقية متوافرة "نحن لا نناقش قضايا كبيرة كالموازنة او قانون الإنتخاب أو انتخاب رئيس" . والمادة 34 من الدستور تحدد النصاب القانوني لانعقاد الجلسة العامة، ومباشرة أعمالها والتصويت بالنصف زائداً واحداً. كما أن نواب مسيحيين منتمين إلى كتل مختلفة سيشاركون في التشريع، منهم نواب المردة والمستقلون والمنتمون إلى كتل مختلفة. فهل مسيحية هؤلاء منتقصة؟
عقد جلسة تشريعية أو أكثر في العقد العادي سيطرحه بري على المتحاورين، وإفساحاً في المجال أمام مزيد من المشاورات حدد العشرين من نيسان موعداً لجولة جديدة من الحوار الوطني. أمّا صب الزيت على نار الميثاقية، والرقص على حافة الشارع وما قد يليه من شارع أو مسرح مضاد، لن يزيد المشهد الداخلي سوى تعقيداً، لاسيما أن الجلسة ضرورية لتسريع الإستفادة من القروض والهبات الدولية قبل نفاذ الموعد المحدد.