معذورٌ اللبناني إن ظنّ سوءاً بدولته او شككّ أحياناً بحسن نوايا سياسييه ومسؤوليه في مجمل الملفات. ترافق الشعب "نظرية المؤامرة" التي عززتها سياسة الهدر والفساد السائدة، أو في تعبير الطف، بسبب متلازمة سوء الادارة والتخطيط والتقييم. بعض الامثلة كفيلة بتأكيد هذا الواقع: رُميت النفايات في افواه المواطنين قرابة تسعة اشهر، ثم نُقلت بقدرة قادر لتطمر بجوار البحر، أو فيه. وعلى رغم الخسائر الصحية والبيئية والاقتصادية والسياحية، ما من تمّت محاسبته (باستثناء المواطن الذي يرمي قشرة موز على الرصيف اليوم) وما من شرح أو وضّح كيف بدأت المشكلة ولأي أسباب وكيف انتهت وما إذا كانت حقاً قد انتهت!
في ملف الانترنت غير الشرعي، لم يفهم المواطن "كوعه من بوعه"، ولا يعرف حتى الساعة هوية المتوّرط والمغطي والمشارك والمتواطئ. في جريمة العصر، أسئلة كثيرة مشبوهة حول "التغطية الامنية" التي حازتها شبكة الاتجار بالبشر طوال الأعوام الماضية، وحول تمكن عماد حاوي وعلي الحسن من التواري عن الأنظار.
وعلى رغم تفاوت أهمية هذه الملفات المشبوهة وخطورتها وطبيعتها، الا أنها تشترك بالمقدرة على "توريط" اللبنانيين أكثر في دوّامة الثقة المفقودة مع السلطة الحاكمة.
ولعلّ من أكثر الملفات الحيوية والتي يعايشها المواطنون ويعانون منها يومياً، أزمة السير. يعرف اللبناني في قرارة نفسه ان للفساد والهدر وسوء التخطيط والاهمال هنا الف مكان ومكان، وان بامكان الدولة تخفيف الازدحامات المرورية (الكوابيس) عبر اجراءات بسيطة وبديهية، بانتظار الورشة الكبرى التي تتضمن بناء طرقات وجسور وانفاق جديدة وتأمين نقل عام والى ما هنالك من امور باتت متوافرة في اكثر البلدان فقراً وظلماً!
العام الماضي، استبشر اللبنانيون خيراً بعدما أُعلن عن خطّة وضعتها هيئة إدارة شؤون السير، للحدّ من الزحمة التي تشهدها مداخل بيروت يوميًا، وتتجلّى برفع لوحات إلكترونية إرشادية (Variable Message Sign) موزعة على مداخل العاصمة الرئيسية، أي ضبيه، المدينة الرياضية وقرب وزارة الدفاع في اليرزة.
الخطة دخلت حيّز التنفيذ وتمّ تركيب هذه اللوحات الالكترونية المقدمة كهبة من الاتحاد الاوروبي، ولكن...هل من لمس اي تغيير؟
للاسف، لا. على سبيل المثال، رُفعت احدى اللوحات على المسلك الغربي بمحاذاة نفق نهر الكلب، ومن المعروف ان هذا الاوتوستراد يشهد في معظم الاوقات زحمة سير خانقة تبدأ من طبرجا (او قبلها) وقد لا تنتهي عند نهر الموت! فما الجدوى من رسالة نصيّة تخبر السائق العالق في الزحمة أصلاً، او الذي تعاجله الاذاعات المحلية "بآخر أحوال السير"، بأن "السير شبه متوقف من ضبيه باتجاه بيروت"؟! وماذا يمكن المواطن ان يفعل خصوصا اذا كان متجهاً نحو بيروت؟ على حدّ علمنا جميعاً، لم تتوافر تقنية تركيب الاجنحة للسيارات ولا للبشر؟!
في البلدان "المتحضرة"، تتواجد هذه اللوحات الالكترونية بكثرة، وربما عند كل تقاطع او مستديرة...لكنها تأتي بمثابة "كماليات" في حضرة بيئة آمنة وحديثة ومتطورة للسير.
أما في لبنان، ومن دون توافر العوامل المساعدة لهذه اللوحات الارشادية الالكترونية، فانها تبقى "شاشة" تزاحم ربما اللوحات الاعلانية، لا اكثر ولا أقلّ.
الشكر لهيئة ادارة السير والتحكم المروري ووزارة الداخلية على جهودهم واهتمامهم، لكن الم يكن من الافضل استبدال هذه اللوحات الالكترونية العملاقة باخرى متحركة يستعين بها العاملون اثناء القيام باشغال على الطرقات، عوض ان يقف احد المساكين تحت الشمس او المطر، مخاطرا بحياته وهو يلوّح بقميصه الابيض بغية تنبيه السائقين الى وجود اشغال على بعد أمتار؟!
ولعلّ أكثر ما يساهم في الحدّ من زحمات السير هو اغلاق كل تلك الاكشاك المنتشرة على طول الاوتوستراد، ضاربة عرض الحائط كل القوانين والاصول، ذلك انها مسببا رئيسياً للازدحام بسبب توّقف السيارات امامها طوال الوقت!
هذا مجرد رأي يعززه الواقع الذي لم يتغيّر لا على طرقاتنا ولا لناحية تمكن البشر من الطيران والتحليق ساعة يشاؤون...
(خاص "
لبنان 24")