إن "مصر تعتبر قرار السعودية بالتدخل البري في سوريا أمراً سيادياً منفرداً" وهو "لا يأتي في اطار القوة الإسلامية المشتركة لمواجهة الإرهاب"، هذا ما صرّح به وزير الخارجية المصري "سامح شكري" في 16 شباط الماضي. في حين اعتبر بالامس، وقُبيل وصول العاهل السعودي الملك "سلمان بن عبد العزيز" القاهرة، في أول زيارة رسمية له، أن "الأمن القومي السعودي والخليجي هو امتداد للأمن القومي المصري".
هذا التحوّل الجذري والسريع في مواقف "مصر" تجاه "المملكة" وبما لها من ثقل إسلامي عربي في المنطقة، يشكل انعاكساً واضحاً للسياسة الخارجية المستجدة، والتي فرضت التوجه نحو تشكيل هذا التكتل العربي ـ الخليجي، متجاوزاً كل التباينات القائمة بين البلدين حول الملف السوري، مما يشير الى إعادة تموضع جديدة تسعى المملكة العربية السعودية الى بسطها في المنطقة، وقد بدأت ترجماتها بسلسلة تحركات ديبلوماسية وعسكرية فرضت من خلالها وجودها ونفوذها في كل من سوريا واليمن والعراق، متجاوزة بذلك "المونة" الأميركية وتأشيرات "المراعاة" التي منحتها في فترة سابقة لحلفائها فيها، وصولاً اليوم الى مدّ جسور التواصل باتفاقيات اقتصادية ومشاريع استثمارية وتنسيق أمني وتشاور حول الملفات الملتهبة مع خصوم ومنافسي الأمس أي روسيا ومصرتحديداً.
بالطبع ان التكاتف السعودي - المصري الحاصل اليوم لا يمكن قراءته بمعزل عن رعاية ودعم "خيّاط" اللعبة الدولية والاقليمية ومدبّرها ومحركها "الدب الروسي" بعدما خلت الساحة له، ولو جزئياً، بفعل انصراف اللاعب الاميركي للتركيز حالياً على معركة الانتخابات الرئاسية القريبة، قاطعا بحصول هذا "التكاتف"، وبسد عالي "سعودي - مصري"، "إسلامي - سني"، الطريق أمام أي طموح ايراني في التمدد داخل المنطقة، بعدما تضعضعت الساحة العربية بفعل اجهاز ربيعها العربي على معظم قادة دولها، وعجز شعوبها عن اعادة فرز قادة ذات مناعة عربية قوية.
بالمقابل جاءت زيارة العاهل السعودي الى مصر وما حملها مضمونها من دسامة على كل المستويات للبلدين، لتكشف وبقوة برنامج المملكة الجديد لسياستها الخارجية حيث يبدو ان المملكة تتجه الى طرح اوراق نفوذ جديدة لها في دول المنطقة، مغايرة لأوراق نفوذ الماضي والتي كان يحتل فيها لبنان العرش، ودلالات ذلك برزت في اكثر من قرار وموقف اتخذته المملكة مؤخرا تجاه الدولة اللبنانية نتيجة ما اسمته مصادرة حزب الله لارادتها، والتي وان شكلت مفاجأة للخصوم الاّ أنها شكلت صدمة كبيرة لحلفائها، ادخلتهم في حالة من الضياع والفوضى. وعلى صعيد آخر، ووفقا لما اوردته "الفاينانشل تايمز" في تقرير لـ"دايفد غادنر" فان المملكة يبدو ايضاً انها تستعد للاعلان عن قرب انسحابها من اليمن، وبحسب الأمم المتحدة ففي العاشر من الشهر الجاري سيبدأ سريان وقف شامل لاطلاق النار في اليمن على ان تبدأ جولات التفاوض في الكويت في الـ18 منه.
اذاً، وأمام هذا المشهد المختلف في شكله وتحالفاته ومراميه، ماذا سيكون عليه مصير المسار السياسي المستقبلي للبنان، وما هو المكان الذي سيُحجز له في خارطة دول منطقة الشرق الأوسط الجديدة، وأي نفس سياسي جديد سيتمكن من انتزاع حق رعايته؟!
لا شك ان ما شهده لبنان مؤخرا من تفجر داخلي مفاجىء متتالي لسلسلة ملفات أمنية وإقتصادية وإجتماعية وأخلاقية بعد سنوات من التستر والتعمية والتفلت من المحاسبة والعقاب، لم يكن وليد صدفة او نتيجة صحوة إلهية بضرورة كشف الفاسدين والمجرمين وملاحقتهم، وملاحقة من وراءهم ومعاقبتهم مهما علا شأنهم، وانما شكّل ذلك اشارة الى وجود قرار خارجي صارم باسقاط الغطاء عن الطبقة السياسية الحاكمة وبالتالي تجريدها من كل دعم عبر اسقاط متبوعيها وكشف ارتكاباتهم، وذلك في اطار تعريتها على المستوى الداخلي واشهار افلاسها امام قواعدها الشعبية قبل أي شيء.
تأتي أهمية كشف الغطاء ونزع الدعم عن بعض القوى السياسية، الى مسار سياسي جديد تنتظره الدولة اللبنانية ضمن معادلة جديدة في شكلها ومضمونها، سيعاد من خلالها خلط الأوراق الداخلية، لتنتج طبقة سياسية مختلفة في تكوينها وتحالفاتها ووجوهها عن تحالفات الماضي، وتنسجم مع الوجه الجديد لسياسة دول الشرق الاوسط الجديدة، على أن يجري التسلم والتسليم ضمن معادلة واتفاق جديدين لا مكان لحدي الـ "س-س" فيها.
ولكن، كل هذا يبقى رهن التطورات الحاصلة في اكثر من اتجاه، والتي يبدو انها مرشحة لمزيد من التوتر، مع خروج القائد العام لقوات الحرس الثوري الايراني "اللواء محمد علي جعفري" مؤخرا بهجوم عنيف على كل من المملكة العربية السعودية والبحرين معتبرا أنهما وأمثالهما مظهر للتخلف السياسي المعاصر وبأن الحرس الثوري، ومن أجل الرد على وقاحتهم وسلوكياتهم السفيهة الناجمة عن الاعتماد على قوة أميركا، وفّر التجهيزات اللازمة عبر البرمجة والتخطيط وهو الآن "بانتظار الأوامر".
بالمقابل تستعد الرياض في الـ14 من الشهر الجاري لعقد لقاء مع وفد ايراني لبحث ترتيبات الحج الجديدة وللتوقيع على مذكرة تفاهم "حج التمتع" لهذا العام وذلك بعد تأخير دعوتهم مدة 3 أشهر، وفقا لما افادت به وكالة تسنيم الإيرانية، حيث من المقرر ان يتم في هذا اللقاء تحديد مصير الحج بصورة نهائية، الأمر الذي يطرح علامة تساؤل كبيرة عن التداعيات التي قد تترتب، في حال عدم التوصل الى اتفاق في هذا الاطار، خاصة في ظل التوتر الحاصل بين البلدين، والقابل للاشتعال في اي حين ولأي سبب كان، والذي بالطبع، في حال حصوله لن يقف أمامه حلفاؤهما مكتوفي الايدي، خاصة وانها ستشكل فرصة مناسبة للبعض لاعادة عرض عضلاته مجددا ولاثبات قدراته في استعادة مناطق النفوذ بعد فشله سابقاَ في ادارتها وتسجيله خسارة مدوية فيها.
ميرفت ملحم (محام بالاستئناف)