لعلّ ورقة التفاهم التي وقعها "حزب الله" مع "التيّار الوطنيّ الحرّ" في شباط 2006 وما تلاها من توثيق للتعاون السياسي بين الطرفين وبناء للثقة المتبادلة التي ترسّخت بعد الدّعم المطلق للعماد ميشال عون للحزب أثناء العدوان الإسرائيلي على لبنان العام 2006، وما أعقب ذلك من استحقاقات سياسية داخلية، أمور تدفع المسؤولين في الحزب الى التروّي في مقاربة الإستحقاقات ذات الصبغة المارونية.
وإذا كانت علاقة الحزب بهذه الطائفة "سطحيّة" الى حدّ ما قبل توقيع "ورقة التفاهم"، فإنها باتت استراتجيّة بعدها، خصوصًا بعد اشتداد الضغوط المختلفة على "حزب الله".
ينطبق هذا الأمر على كيفية مقاربة "حزب الله" لمعضلة قيادة الجيش، حيث ترأس المؤسسة العسكرية شخصية عسكرية تحظى بإحترام "حزب الله" هي العماد جان قهوجي، الذي لا يلقى تأييد الجنرال ميشال عون بسبب المنافسة الموضوعية على رئاسة الجمهورية، وهذا هو الدافع الأول لعون لطلب تعيين قائد جديد للجيش حين تنتهي ولاية الأخير (الممددة سنتين) في أيلول المقبل.
إزاء هذا الصراع الماروني، وجد "حزب الله" نفسه "محشورًا" بين شخصيتين مارونيتين تتبارزان (كلّ على طريقتها) على موقع مارونيّ بإمتياز من غير أن يتمكّن من إيجاد تسوية بينهما.
الشخصية الأولى هي رأس المؤسسة العسكرية اليوم، وقد حصل تعاون معها في تثبيت الأمن في أكثر من مناسبة ومنطقة، ولا سيما في الخطط الأمنية التي أعقبت حوار "تيار المستقبل" و"حزب الله"، والثانية هي "الحليف المدلّل" لـ"حزب الله" الجنرال ميشال عون.
ويقول العارفون بمواقف قيادة "حزب الله" إنّها قررت اعتماد البراغماتية في مقاربة هذا الإستحقاق الوطني عمومًا والماروني خصوصًا، أي استحقاق قيادة الجيش المرتبط واقعيًا بالمعركة الرئاسية بسب الموقف المتصلب للعماد عون إزاء ترشحه.
وتشير مصادر عليمة الى أن "حزب الله" يراعي الحساسيات المارونية في هذا الشأن، وهو قرر ألا يدخل في معارك عنوانها "ماروني". فالعلاقة تستمرّ جيّدة مع العميد شامل روكز (مرشح الجنرال عون لقيادة الجيش) ومع الجنرال جان قهوجي على حدّ سواء، الأول ضابط له تاريخ عسكري ناصع توجته مصاهرة مع "الحليف المدلّل"، والثاني قائد جيش ناجح. من هنا فإن الحزب لن يصعّد مواقفه إزاء هذا الموضوع: فهو متعاطف مع عون لكنّه لن يحارب الجميع من أجل موقع قيادة الجيش، ولن يتدخل في موقع مسيحي ماروني بإمتياز على أهميته الوطنية.
ويلفت العارفون بمواقف الحزب الى أنه حريص على المؤسسة العسكرية، وهي بنظره صنو لاستقرار لبنان ويجدر ابعادها عن الصراعات السياسية. وإذا كانت معركة الرئاسة لا تحتمل المواقف البراغماتية من وجهة نظر الجنرال عون، فإنّ "حزب الله" مضطرّ لدعمه بالصوت العالي، وفي هذا الإطار يعتبر "حزب الله" أنه قام بواجبه تجاه حليفه، لكنّه لن يشنّ حربًا على الجميع في لبنان كرمى لعيون العميد شامل روكز أو سواه، لأنّ لا مصلحة له بذلك بحسب ما تؤكد المصادر المطلعة على موقف "حزب الله"، وبالتالي فهو يساير الموارنة لكنّه لا "يغطس" في مستنقع خلافاتهم.
(خاص "لبنان24")