القمح المسرطن، أنهار وجبال من النفايات، المواد الغذائية الفاسدة، فضائح الإختلاس والفساد، صرف موظفين، أعباء النازحين، القتل والخطف على الطرقات، التسيب الأمني، الإتجار بالبشر، البطالة. يكفي أن تشكل هذه العناوين الصادمة جزءاً من يوميات اللبناني لتجعله يعيش حالة نفسية مضطربة، ولإنّ الإنحطاط بلغ مستويات غير مسبوقة والمعالجة غائبة، يلجأ معظم الشعب اللبناني إلى الحبوب المهدئة، للتخفيف من حدّة الحالات العصبية والتوترات التي ترافق تصرفات البعض، والتي من شأنها أن تسبب لهم مشاكل في البيت والعمل لا تحمد عقباها .
نسبة تعاطي اللبنانيين الحبوب المهدئة زادت في الآونة الأخيرة، بحسب ما أفادنا قسم الطب النفسي في مستشفى جبل لبنان، والرابط بين الأوضاع التي تمر بها البلاد والأمراض النفسية والعصبية ثابت للأطباء المختصين. والأخطر ارتفاع نسبة لجوء عنصر الشباب إلى المخدرات، أو تناول أدوية معالجة للكآبة، من دون أن يصفها طبيب مختص، أو ما يعرف بالعلاج الذاتي، بحسب ما أوضحت المعالجة النفسية كارين نصار لـ "لبنان 24": "من خلال عملي في إدارة جمعية العناية الصحية ومعالجة نفسية في مستشفى جبل لبنان ومركز كليمنصو، لاحظت لجوء عنصر الشباب الى المخدرات (حشيشة في بادىء الأمر وصولاً إلى الهرويين).
وبالطبع التعميم غير جائز، ولكن هناك أعداداً كبيرة في صفوف النازحين السوريين واللبنانيين ولا سيما الفئات الأقل دخلاً، يعمدون إلى تعاطي المخدرات أو الكحول أو تناول أدوية تدخل في تركيبتها مادة الـcodeine، مما يؤدي إلى الإنفصال عن واقعهم المؤلم، وهم بذلك يخبئون حالات الإكتئاب التي تنتابهم ويصبحون مدمنين".
أسباب التوتر يدركها كل من يعيش على الأراضي اللبنانية. أوضاع أمنية واقتصادية وسياسية مضطربة، تسبب ما يعرف بـالصدمة النفسية، "الحرب اللبنانية لا تزال قائمة وإن بأوجه مختلفة، يكفي ما نعيشه من قلق من جراء أزمة النفايات وانتشار الأمراض، والخوف مما نأكل ونتنفس، فضلاً عن عدم الإستقرار الوظيفي، وغيرها من المشاكل التي تسبب الوسواس والإنفعال. وهناك شريحة كبيرة تعاني من اضطراب في السلوك مما يؤدي إلى تقلب في المزاج وتوتر وتعصيب وربما ضرب، ومهمة الأطباء والمعالجين النفسيين هنا تصبح أكثر صعوبة في تأمين التحصين النفسي، وسط تنامي حالات الفقر والقلق من المستقبل".
كلنا يذكر ويستهجن عمليات القتل التي حصلت نتيجة أفضلية المرور، والخطر يطال كل شرائح المجتمع، وفي هذا السياق تلفت نصار إلى أن العيش في بلد غير مستقر يولد شعوراً بعدم الأمان "نلمس عند الأهل حالة صراع وانفعال. فهم دائماً على "أعصابن" كما نقول بالعامية ، لانهم يعمدون إلى تأمين لقمة العيش لعائلاتهم، ويخشون أن يُصرفوا من العمل، كما حصل مع عدد من الإعلاميين، وهذا الجو يضاعف التوتر ويسبب أمراض القلب، من هنا القول عن مثل هذه الحالات "قد ما بيضلو عصبي عمل بالقلب".
في الحالات العصبية التي تنتابنا أو ما يعرف بـ stress ، هل من الأفضل أن نتناول الحبوب المهدئة، أو أن " نفش خلقنا " كي لا نصبح مدمني أدوية؟
"وحده الطبيب المختص قادر على تشخيص الحالة وطرق المعالجة، ولكن من الخطأ أن نعالج أنفسنا، والمصابون بأمراض عصبية مزمنة، لا يمكنهم إيقاف الدواء بل أن الطبيب يقدّر تعديل كمية الجرعات، وليس كل أنواع الإكتئاب بحاجة ألى أدوية. كمعالجين نفسيين نحاول مساعدة المريض على المواجهة وإيجاد الحلول، لكننا لا نقوى على تغيير واقع بلد كلبنان".
على أي حال غياب الأرقام لدى وزارة الصحة عن حجم تعاطي اللبنانيين أدوية الأعصاب ومثيلاتها، لا يلغي أنّنا في عصفورية كبيرة.