توقف عدد من المتابعين للشأن السياسي في لبنان عند كلمة رئيس مجلس النواب نبيه بري، التي ألقاها في افتتاح أعمال المؤتمر الـ23 لإتحاد البرلمانيين العرب في القاهرة، والتي أشار فيها إلى "إننا في لبنان بدأنا نرى أملاً في آخر النفق، في توصل الأطراف اللبنانية إلى إنجاز الإستحقاق الدستوري، بانتخاب رئيس الجمهورية"، واعتبروا أن ما جاء في كلامه المكتوب والمعدّ سلفاً يندرج في سياق سلسلة مواقف تفاؤلية سبق له أن عبّر عنها في غير مناسبة، ومن خلال ما يُنسب إليه من مواقف عبر الصحف، وهي تتلاقى في الإجمال مع غيرها من المواقف التي يعبّر عنها عادة الذين يرون الجزء الملآن من الكأس الرئاسية، على رغم أن الفراغ في سدّة الراسة الأولى يكاد يطفىء شمعته الثانية، من دون أن تظهر مؤشرات عملية، عدا عن التمنيات، توحي بإمكان إجراء هذا الإستحقاق في القريب المنظور، في ظل استمرار المراوحة الرئاسية في مكانها، في غياب الدلائل عن إمكانية إحداث خرق معين في جدار الأزمة الرئاسية، خصوصاً أن طرفي المنافسة، أي العماد ميشال عون ومن يقف معه في معركته الرئاسية، سواء "القوات اللبنانية"، التي أعلنت صراحة تأييدها ترشيح "الجنرال"، أو حليفه الأستراتيجي، أي "حزب الله" الذي يكتفي بتأييد غير مقرون بخطوات عملية من شأنها أن تقرّب المسافة الرئاسية بين الرابية وبعبدا، فضلاً عن إصرار النائب سليمان فرنجية على المضّي في ترشحه حتى النهاية معتمداً على موقف واضح وصريح من قبل الرئيس سعد الحريري، ومن تأييد من تحت الطاولة من قبل كل من الرئيس بري والنائب وليد جنبلاط.
إلاّ أن ما لفت هؤلاء المتابعين الجزء غير المكتوب (الإرتجالي) في كلام الرئيس بري والذي أمل فيه ألا يكون هذا الإستحقاق "سرابا يحسبه العطشان ماء"، وهو ما أعتبروه كلاماً غير استهلاكي ويعبّر عن الواقع الرئاسي المأزوم أكثر من الشقّ الأول من كلامه، مع ما يرافقه من واقعية نابعة من ربط بعض من يُفترض بهم امتلاك مفتاح الحلّ الداخلي بأزمة المنطقة وتشعباتها، مع ما يعنيه ذلك من تأجيل هذا الإستحقاق حتى يبان الخط الأبيض من الأسود، وبالأخص في ما يتعلق بمسار التطورات على الساحة السورية، في ما يشبه تسابقاً بين الحسمين العسكري والسياسي، بما يمكّن أطراف النزاع من فرض شروطهم التفاوضية، سواء في جنيف أو في كواليس عواصم القرار، إعتقاداً من بعض المراهنين على الوقت بأن الأمور سترسو في النهاية لمصلحته الرئاسية، علماً أن المتنافسين الرئيسيين، وهما ينتميان إلى خط "8 آذار"، ستكون نتيجة أي حلّ للأزمة السورية متعادلة بالنسبة إليهما، من حيث الفرص والآمال.
وفي النتيجة فإن ما بين لما قاله الرئيس بري كتابة وما قاله شفاهية فارقاً شاسعاً، وهو أقرب إلى الواقع الرئاسي، ويبقى ما كتب مندرجاً في خانة التطمينات والآمال ليس إلاّ.