مسكينة هي هذه البعوضة الباحثة عن دمّ تتغذى به فلا تجده في أجسام اللبنانيين، لأن من سبقها قد مصّ ما تبقى فينا مما يُعرف بأنه دمّ. وقد تكون لسعتها أقل ضرر من لعساتهم، على رغم ما تحمله إلينا من جراثيم وأمراض لم نكن نسمع بها، وهي عرّجت في طريقها قبل أن تصل إلى بيوتنا بجبال النفايات وما فيها من أسباب لموت بطيء اعتدنا عليه، لكثرة ما في بيئتنا من أوبئة أصبحت جزءاً مما نتناوله من أطعمة فاسدة، وما نتنشقه من هواء ملوّث، وما نشربه من ماء تكثر فيه كل أنواع البكتيريا.
ولكثرة ما تعرّضنا له من مصّ لدمائنا على ايدي من يُفترض بهم أن يكونوا حماتنا أو من يُطلق عليهم زوراً تسمية مسؤولين، وهم غير مسؤولين إلاّ عن امتصاص ما تبقى فينا من نبض حياة، وهم ماضون في استنزافنا بشتى الطرق والأساليب، وقد أصبحت أخبارهم على كل لسان وشفة، وامتلأت عناوين الصحف بفضائحهم و"مآثرهم" و"بطولاتهم" من دون أن يرّف لهم جفن، ومن دون أن يلقوا جزاء أفعالهم الفضائحية، ومن دون أن يجدوا من يطالب بمحاسبتهم، لأن من يُفترض بهم أن يحاسبوا لم يبق لهم حيلٌ بعدما أُفرغت شريانهم من عصبها ومن أدنى مقومات المواجهة والوقوف في وجه من يتاجرون بدمائهم وبلقمة عيشهم.
قد يكون هذا الواقع المدمي الذي أصبحنا عليه اشدّ وطأة مما يمكن أن يفاجئنا به من يُقال عنهم أنهم مسؤولون عنا، وهم في الحقيقة مسؤولون عما آلت إليه أوضاعنا التعسة، وما بلغناه من حالات يأس وقنوط وإحباط، وما يمكن أن يصيبنا من مآسٍ ويلات على كل الصعد.
فمع كل إشراقة شمس تطّل علينا أخبار عن فضيحة من هنا، وعن متاجرة بعرق الجبين من هناك. ويقولون أن البلد ماشي، وأن الناس لا يعجبهم العجب حتى ولو ضوّيت لهم أصابيعك العشرة، وهم لا يعرفون إلاّ النقّ وتوجيه الأنتقادات ورمي المسؤولية على الآخرين، وقد يكون في بعض ما يقولونه شيء من الحقيقة المرّة، خصوصاً بعد التجربة الفاشلة للحراك المدني، وقد راهن البعض منذ اللحظة الأولى لهذا الحراك على أنه لن يؤدي إلى أي نتيجة، لأنهم يعرفون أن اللبناني "مش بتاع حركات".
ما كان ينقصنا سوى هذا البرغش الزاحف علينا بأعداد مخيفة، وكأن ما فينا مش مكّفينا. وحتى يكتمل النقل بالزعرور لم يعد في الأسواق "كاتول" مطابق للمواصفات.
مسيكنة هي هذه البعوضة التي لن تجد ما يسدّ جوعها. فالهدف أصبح من دون دمّ وهو لم يعد يقوى حتى على منعها من أن تلدغه، وقد بات لسان حاله " ما لجرح بميّت إيلام".