اختارت الرئاسة الفرنسية لحظةً بالغة التعقيد لتقدّم جرعة دعم للبنان القابع بجوار براكين الأقاليم الملتهبة، ووسط استمرار مفاعيل "القصاص الخليجي"، وفي ظل انقسامات داخلية شلّت مؤسساته. الأم الحنون أرادت أن تقول إنّ المظلّة الدولية الحامية لإستقرار هذا البلد لا زالت سارية المفعول. وعلى رغم أنّ الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند لن يحمل في جعبته مبادرة رئاسية تُنهي ولاية الفراغ الرئاسي، بعدما باءت محاولاته مع نظيره الإيراني حسن روحاني بالفشلل لجهة تسهيل حصول هذا الإستحقاق من قبل "حزب الله"، إلا أنّه سيعاود تذكير اللبنانيين وتحديداّ الموارنة منهم بضرورة حفظ هذا الموقع في توقيت يشهد إعادة رسم الخرائط والمواقع.
الرئاسة الفرنسية لن تدخل في الأسماء، وبحسب مصادر مطّلعة يهم فرنسا أن يكون الرئيس الماروني قوياً، يحفظ دور المسيحيين في بلد قائم على التوازنات الطائفية والمذهبية، دون أن يعني ذلك أنّها داعمة للعماد ميشال عون، لا بل تفضّل النائب سليمان فرنجية الملتزم اتفاق الطائف، "فاليوم ليس مطلوباً أن تتمّ صياغة عقد اجتماعي جديد او مؤتمر تأسيسي جديد في لبنان، بل إعادة الإعتبار لإتفاق الطائف، الذي اُبقي في الثلاجة مدة خمسة عشرة عاماً في ظل الوصاية السورية". أمّا في حال عدم إمكان انتخاب أحد المرشحين الأربعة "الذين تنطبق عليهم صفة الأقوياء، يأتي الملف الأمني في الأولويات الفرنسية، وهنا ترتفع لدى فرنسا أسهم كل من العميد جورج خوري وقائد الجيش العماد جان قهوجي".
هولاند يلتقي "حزب الله"
برنامج الزيارة حافل باللقاءات والزيارات، ولعل أكثرها مدلولية ما كشفه أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية الدكتور وليد عربيد لـ "لبنان 24"، وهو اللقاء الذي سوف يجمع هولاند بوفد برلماني من كتلة "حزب الله" في مقرّ السفير الفرنسي في بيروت، وترتيباً لهذا اللقاء أتت زيارة السفير إيمانويل بون لرئيس الكتلة محمد رعد، كما حصل لقاء الإثنين بين رعد ووفد فرنسي في المجلس النيابي بعيداً عن الإعلام كما علم "لبنان 24"، هذا اللقاء المرتقب يقول عربيد "يحصل على رغم أنّ الحزب وُضع من قبل دول مجلس التعاون الخليجي على لائحة الإرهاب، وهنا تسير أوروبا بمقولة الفصل بين الجناحين العسكري والسياسي للحزب، كما أنّ هذا اللقاء من شأنه أن يُصرف عند الرئيس الإيراني، في توقيت تسعى فرنسا من خلاله إلى تثبيت الإستثمار في ايران بعدما وقعت عقود بمليارات الدولارات مع الجمهورية الإسلامية الخارجة من العقوبات الدولية إلى الفضاء الإقتصادي الرحب، ومن هذه المشاريع مترو طهران وبناء مصنع لشركة بيجو، وشراء 114 طائرة ايرباص من فرنسا".
اليونيفل والمسيحيون والنازحون
عناوين وأسباب زيارة هولاند متعددة بحسب عربيد قبل أن تنصرف فرنسا إلى التحضير للمعركة الرئاسية، "فرنسا ستبقى بالقرب من لبنان حامية للسيادة والإستقلال، كما أنّها تسعى لتقريب وجهات النظر بين الأفرقاء المسيحيين في الملف الرئاسي، وتحصين هذا البلد من ارتدادات الأزمة السورية. كما أنها مشاركة بعدد لا بأس به من جنودها في اليونيفل وبالتالي في تثبيت القرار 1701".
أمّا قضية النازحين السوريين فتستحوذ على حيز مهم من الزيارة بحسب عربيد "وأعتقد أن ما يهم فرنسا ألّا تكون هناك خلايا إرهابية نائمة ضمن موجات هذه الهجرة إلى أوروبا، من شأنها أن تعكر صفو الأمن القومي الأوروبي".
ويعلق عربيد على انتقاد الصحافة الفرنسية لهذه الزيارة ووضعها في الإطار الضبابي، فيلفت إلى "سعي فرنسا لتكريس دورها في إعادة تشكيل وترتيب الشرق الاوسط"، مشيراً إلى تزامن جولة الرئاسة الفرنسية في المنطقة، مع الزيارة التي قام بها رئيس الحكومة الفرنسية مانويل فالس إلى الجزائر، "وبالتالي تذهب فرنسا باتجاهين، شمال افريقيا والشرق الأوسط، نظراً للإعتبارات الجيواسترتيجية، هذا ما يدفع أن يشكّل البحر المتوسط أحد العوامل الرئيسية في الحوارات المستقبلية الأوروبية العربية".
الزيارة الى منطقة المشرق العربي تشمل كذلك الأردن ومصر، "فالدولة الأولى لاعبٌ أساسي في الملف الفلسطيني الإسرائيلي، والثانية تشكل أهمية لفرنسا لاسيما بعد التقارب السعودي المصري التركي كمحور أساسي لمواجهة المحور الروسي الإيراني السوري، علما أن السعودية تكفلت بمساعدة مصر على شراء حاملتي طائرات مروحية من طراز ميسترال من فرنسا، اللتان صنعتا خصيصا لروسيا قبل أن تجمد باريس الصفقة مع موسكو".
لبنانياً، ستبقى عين اللبنانيين مركزة على مصير الهبة السعودية التي جمدت، والمرحلة التي بلغها الجانب الفرنسي في مسعاه للنظر بقرار وقفها.