لفتني الإعلان التفاؤلي لجمعية "فرح العطاء" بعنوان "13 آب أقلب الصفحة"، والذي ساهمت بنشره وتعميمه معظم الصحف اللبنانية، وهو شعار يدعو إلى الكثير من التأمل واستنتاج العبر، لكنه على رغم المسحة التفاؤلية التي حاولت هذه الجمعية التي تُعرف أعمالها من إسمها، وهي التي كانت لها إسهامات كثيرة في إزالة معالم وآثار التفجيرات التي ضربت أكثر من منطقة لبنانية... يبقى مجرد شعار.
ولكنّ هذا الشعار، على رغم نوايا واضعيه الصافية والسليمة، يبقى شعاراً بعيداً عن الواقع الذي نعيشه، نحن الذين اكتوينا بنار 13 نيسان 1975، وما تلاها من حروب ومن مآسٍ، لا تزال مفاعيلها ترافقنا في كل مفاصل حياتنا اليومية.
هي أمنية غير محققة عندما نردد مقولة "تنذكر وما تنعاد"، وقد يكون عكسها أقرب إلى الواقع، وهي "تنذكر وعم تنعاد"، وقد لا تكون بالضرورة هذه الإعادة أمنية وعسكرية. ونعتقد أن الحروب بمفهومها العسكري البحت أصبحت من الماضي، لأن اللبنانيين الذين أكتووا بنارها غير مستعدين لتكرار ويلاتها ومصائبها، على رغم التهديدات الجدّية التي يواجهها الجيش اللبناني على جبهات عرسال في مواجهة الإرهاب، وما تقوم به الأجهزة الأمنية في الداخل لكشف الخلايا النائمة، والتي تهدّد الإستقرار والسلم الأهلي في كل لحظة.
وعلى رغم أن شبح الحرب لم يعد يخيف اللبنانيين، لأنه لو كان لديهم قابلية لإعادة هذه التجربة المرّة لكان الوضع قد تفجّر منذ اللحظة الأولى لإندلاع الحرب في سوريا. إلاّ أن هذا لا يعني أننا لا نزال نعيش حروباً من نوع آخر، وهو ما يجعلنا نقول "تنذكر وعم تنعاد".
هي تعاد في السياسة، وبالتحديد عندما نرى استحالة داخلية في التفاهم على إخراج الرئاسة الأولى من أسر ربطها بأزمات الخارج، والتمترس وراء أكياس، ليست من رمل هذه المرّة، ولكنها نتيجة تعنت البعض واستمراره في حجز حرية الكرسي الرئاسي وعدم استعداده للإفراج عنها.
وقد أعيدت ذكراها عندما جدّد النواب لإنفسهم مرة واثنتين. وتعاد في منع المجلس النيابي الممدد له من الإجتماع والتشريع، على رغم أن البعض يتمسك بنظرية أنه هيئة ناخبة وليس هيئة تشريعية، ولكن هل نبقي البلاد من دون رئيس ومن دون تشريع، مع اقتناع هذا البعض بأن لا رئاسة في المدى المنظور؟
وهي تعاد في كل جلسة لمجلس الوزراء المفخخة جلساته بكل أنواع المتفجرات السياسية، التي تأخذ أشكالاً تعطيلية مختلفة، وآخر مسلسلاتها ملف جهاز أمن الدولة، وما سبقه من ملفات ساخنة يُرّحل بتها من جلسة إلى أخرى، خوفاً من أن ينفجر اللغم الكبير فيها.
وهذه الحرب تعاد، ولو بشكل آخر، في مسلسل الفضائح، من الإنترنت غير الشرعي، إلى شبكات الدعارة، إلى أمن المطار، إلى القمح المسرطن، إلى ملف النفايات المخفي منه والظاهر، إلى كل أنواع الفساد المعشعش في كل زاوية من زوايا إدارات الدولة.
وعلى رغم كل ذلك نتمنى أن يصبح شعار "فرح العطاء" بقلب صفحة الحرب واقعاً وليس مجرد امنيات، فنرى ولو لمرة واحدة مفسداً واحداً وراء قضبان سجن حقيقي، وليس كما هي الحال في سجن الخمسة نجوم.
41 سنة مرت على بوسطة عين الرمانة، ولا نزال ركاب بوسطة الطائفية والمحسوبية والزبائنية والتبعية والمصالح الضيقة، وركاب سياسة "المختار والناطور"، من دون الحديث بالطبع عن البوسطات الإنتخابية، ونحن على مقربة من انتخابات بلدية غير معروف مصيرها.