3 أيام من الإنضباط والإستقامة عاشتها بيروت. تراجع ملحوظ في زحمة السير، لا لوحات مزورة على الطرقات، المخالفون بمعظمهم غابوا، عصابات القتل والنهب والسرقة التي تعمل "على عينك يا تاجر" لا أثر لها، ما انعكس أماناً واطمئناناً عاماً أعطى انطباعاً بأن هناك "بقية دولة" في البلد، لتعود الفوضى وهستيريا "زحمة السير" و"زحمة مخالفين" يوم السبت الماضي تحديداً، فما الذي حصل؟
سبب الانضباط والتزام القوانين وتلاشي مظاهر الخروج على القانون هو حملة واسعة لقوى الأمن الداخلي تخللتها حواجز مكثفة لضبط المخالفات. "السائقون الشرعيون فقط تواجدوا في العاصمة، "أحسست أنا شخصياً بالعدل وزادت فرص عملي" يقول سائق تاكسي في كلمة تختصر الموقف. ولعل أخطر أنواع المخالفات تتمثل باللوحات المزورة والمتواجدة بكثرة في الشوارع من قبل "الفانات" والدراجات النارية، وخصوصاً في قطاع النقل العام لقدرة المزور على استغلال "النمرة الحمراء" لأهداف خطيرة تمسّ أمن الأفراد وأمن البلد، كالإغتصاب والسرقة، وقد يصل الأمر إلى جرائم القتل والأعمال الإرهابية ونقل انتحاريين، مع ضمان إبعاد الشبهة عنهم.
مسؤوليات مشتركة
وفي هذا الصدد، أكد خبير السير والعضو في جمعية "يازا" جوزيف نشاز في حديث لـ "لبنان 24" أن "الجمعية تطالب دائماً بالمحاسبة، فحين تعلن قوى الامن عن يوم أمني، ينضبط الجميع ويختفي المخالف، أما إذا كان هناك محاسبة آنية فلن نشهد هدراً مادياً وبشرياً". ويضيف: "مشكلة قانون السير الجديد أنه يطالب بعدم المخالفة في حين أن هناك أمور أخرى لا بد من تحسينها (اشارات السير، الاضواء، الحفر القاتلة، الإشارات الضوئية)"، مشددا على أنه "لا يمكن إجراء يوم كهذا مرة في السنة والاكتفاء به".
من هي الجهة المسؤولة عن الحد من ظاهرة اللوحات المزورة وانتشار المخالفات؟ يجيب نشاز: "المسؤول عن هذه الفوضى ليست جهة معينة، لكن لإدارة السير وقوى الأمن مسؤولية مباشرة عن ضبط السير".
وماذا عن اللوحات المزورة؟ يوضح أنها "تكون عادة: إما عبر عصابات محترفة تسرق السيارات وتبيع اللوحات، أو عبر "صبّ" نسخ عديدة مطابقة عن لوحة قانونية، فنلاحظ أن رقم اللوحة موضوع على سيارات عدة بنفس المواصفات (اللون والطراز). ويضيف نشاز: "هنا لا تقتصر القضية على المخالفة القانونية، إذ لها تداعيات سلبية كبيرة، خصوصاً على صاحب السيارة الحقيقي، وقد يصل الأمر إلى زجه في السجن وتوريطه ظلماً علماً أن المتهم الحقيقي يكون خارج القضبان، مثال بسيط: إحدى السيدات قامت بشراء سيارة عام 2015 وسجلتها في النافعة (دائرة تسجيل السيارات)، فتم إعطاؤها رقماً للوحة عليها ضبط سير منذ عام 2013،"، لافتاً إلى أن اللوحة "قد تستعمل لأعمال إرهابية ومشبوهة لإخفاء هوية المشتبه به الحقيقي وإرباك المحققين".
ويلفت نشاز إلى أنه "من المستحيل على شرطي السير تفتيش كل سيارة، لذا الحل بإنشاء وحدة مرور ثابتة ومنظمة تعمل ضمن نطاق قوى الامن الداخلي، من مهماتها مراقبة المخالفات والكشف عن الجهة المسؤولة عنها وتتبعها وإخضاعها للملاحقة القانونية، كما على الدولة أن تأخذ قراراً سياسياً لمواجهة هذه الآفة، كما حصل حين صدّق قانون السير الجديد".
3000 مخالفة بيوم واحد!
من جهته، يقول مصدر رفيع في قوى الامن الداخلي لـ "لبنان 24" إننا "نكافح هذه الظاهرة الخطيرة ونلاحقها باستمرار، ونرجو من أي مراقب أن يرسل لنا صورة أي لوحة مشبوهة لملاحقتها والإستعلام عنها، لكن للأسف لا يمكن أن نوقفها بشكل جذري". ويتابع موضحاً: "خلال حملة ضبط المخالفات تم ضبط حوالي 3000 مخالفة يومياً وما زال هناك الكثير". وعن أهمية عدم الإعلان عن الأيام التي سيجرى خلالها تكثيف للمراقبة والتدقيق بالأوراق والدفاتير، قال: "على العكس، فأهمية هذا الإعلان هي رفع الوعي الشعبي والإعلامي للإهتمام بالقانون الجديد"، مشيراً إلى أنه "هناك حواجز أخرى لا نقوم بالإعلان عنها".
ويشدد المصدر على أن "الحل الأساسي لمشكلة التزوير، هو اللوحة الذكية الموصولة بأجهزة الكترونية تكشف التزوير مباشرة، فهذه الطريقة تساهم في معالجة أزمة اللوحات العمومية المزورة بشكل كبير، وهي من مسؤولية هيئة إدارة السير".
قانونياً، تشير المادة 340 من قانون السير الجديد إلى أهمية أن "لا تحمل المركبات أو العجلات إلا لوحة تسجيل واحدة توضع على الطرف الأيمن من صندوقها، وتبصمها البلدية بمبصمها الرسمي"، وتشير المادة 342 إلى أنه "تحدد دقائق تطبيق هذا الفصل ونماذج لوحات التسجيل بقرار يصدر عن وزير الداخلية والبلديات". هكذا في ظل الوضع الأمني المهتز بانفجار من هنا ودماء تزهق من هناك، وفي ظل الفلتان والفوضى العارمة وفضائح الفساد وشبكات الدعارة والاختلاسات الإدارية والتخبطات الداخلية، الكل يراقب والكل يشهد والكل يدرك أن هناك آفة خطيرة تتفاقم في الطرقات لكن من دون أي إجراءات جدية، فحتى السيارة الخاصة قد تكون سبباً لسجن صاحبها أو لتفجير البلد!