الحرب مسخة، لكن الأبشع منها، هو زمن سلم مزيّف. نتحسس، في الحروب، رؤسنا كلّ دقيقة. وفي الزمن الضبابي، نتحسس وجودنا بما فيه الهوية والوطن والماضي والحاضر والمستقبل، مع كلّ نفس. نًدرك فجأة أنّ ما من سلم هشّ أو رماديّ اللون، وكلّ ما في الأمر أنّنا نحاول إنكار الواقع وتلطيف الأجواء، فنبّدل مصطلح الحرب بمفردات على شاكلة "هدنة" و"سلم مزيّف" و...
ونعرف أن الحرب الاهلية التي اندلعت منذ 41 عاماً في 13 نيسان، لم تنته. تغيّر وجهها وتبدلت لغتها، لكنها لم تنته. سوف نقتنع اكثر بثابتة فلسفية وواقعية تقول أن الحرب لا تنتهي الا بعد مصارحة ومصالحة حقيقيتين وفعليتين. من بديهيات المنطق أن يكتشف المرء اسباب أي مشكلة يواجهها فيعمل على معالجتها كي لا تتكرر.
لم يحصل في لبنان هذا الأمر، والجحيم الذي اندلع في ذاك النيسان، نردّه إلى أسباب مختلفة. هل بإمكاننا اليوم إعداد كتاب تاريخ نتفق جميعاً على مضمونه؟ حتماً لا...
هل لنا أن نصدق أن الحرب انتهت ولا يزال مفقودون في غياهب المجهول؟ ولا يزال "لنا" شهداء و"لهم" شهداء؟ و"لنا" قضية و"لهم" أخرى؟ و"لنا" عدو نعرفه، و"لهم" عدو يعرفونه؟!
هل زمننا زمن سلم حقيقي حينما نعترف بأنّ "المظلة الدولية أو الاقليمية" تمنع انفجارنا، ولو التوت أو انكسرت فسوف نصبح عراة في مهب الريح؟
هل هو سلمٌ حين نجلس إلى طاولات الحوار كي يهدأ الشارع؟!
هل هو سلمٌ حين نتذرع كشعب بأننا "أبناء الحرب" لتبرير أصابتنا بمتلازمة استوكهولهم والتخفيف من هول ارتكاباتنا الفظيعة بحق انفسنا وبيئتنا وارضنا واقتصادنا وسياحتنا وثقافتنا...؟ وهل حقاً انتهت الحرب فيما نسدد يومياً فواتير باهظة في البعدين المجازي والحقيقي؟!
ألا نعيش في حضرة الحرب حين نجري صيانة دورية "للبوسطة" لنتفاجأ لاحقاً بأنّها انفجرت في طرابلس، ثم في الضاحية...؟! إنّها الحرب، مهما وضعنا على وجهها مساحيق تجميل. تقف الوحوش الارهابية على الابواب، ومتى دخلت فانها كالبعوض الذي تهيّجه النفايات واللهيب، لن تفرّق بين الاوردة التي ستمتص منها الدماء. فهل سنتفق على ان مواجهتها هو حق مشروع لنا نترجمه بمساندة الجيش والتضامن ام سنجعل من الارهاب ايضاً خطّ تماس يفصل بيننا؟!
لا يمكن أن تكون الحرب قد انتهت وقد انتقلنا من دولة الطائف التي لا تزال حتى الساعة مرفوضة من البعض، ولو بشكل غير علني، إلى دولة الطوائف، المقبولة من البعض، ولو بشكل غير علنيّ!
لسنا في زمن سلم ولن نكون طالما أننا نواظب على تنظيف الملجأ مع كلّ إشراقة للشمس، ونحضر المعلبات والشموع والسجائر. ولن تكون ما دمنا نعيش هاجس إيجاد ملجأ بعيد خارج حدود الوطن!