لم يبصر "هادي جبران" النور على هذه الأرض، في الخامس عشر من نيسان، بل في هذا التاريخ رحل عنها، ليولد صاحب الضحكة العريضة مجدداً في السماء. صار عمر هادي اليوم عشر سنوات. الاحتفال بعيده سيكون صاخباً عابقاً بالحياة والأمل. العائلة، الأصدقاء ومواطنون لا يعرفونه شخصياً سيرفعون الانخاب: "كل عام وانت، يا هادي، ملاكنا الحارس".
تحت شعار "أتمنى لو أن ملاكاً نصحني باستخدام سيارة أجرة"، تنظم جمعية "كن هادي" سهرتها السنوية Taxi night مساء الجمعة في 15 نيسان. هي السهرة السادسة عشرة ضمن سلسلة سهرات انطلقت في العام 2007، والهادفة بشكل اساس الى توعية الشباب حول مخاطر القيادة تحت تأثير الكحول ونشر ثقافة التوّجه بسيارات الاجرة الى السهرات والمناسبات التي يتخللها استهلاك للمشروبات الروحية. هذه الفكرة هي الاولى من نوعها حول العالم، كما تشرح نائبة رئيس الجمعية السيدة لينا جبران في حديث الى موقع "
لبنان 24"، لافتة الى ان مبدأها قائم على عدم السماح للساهرين بالحضور إلى السهرة بسيّاراتهم الخاصّة، بل تتكفّل الجمعيّة على نفقتها بنقلهم من وإلى منازلهم (بصرف النظر عن مكان سكنهم).
ويبدو لافتاً حصول الساهر على مشروبين كحوليين مجانيين فقط، وعن هذا الامر تعلّق جبران:" نحن اكثر من يحق له اقامة حفلات يتخللها open bar، لكننا نأبى ذلك اذ يهمنا ايضاً نشر ثقافة عدم الاسراف في شرب الكحول خلال الحفلات. وعليه، سيحصل الساهرون على عبوات مياه مجانية (Open water). وعلى غرار السهرات السابقة، سيشارك في الحفل مجموعة من المشاهير من مختلف المجالات بالاضافة الى حضور وزير السياحة ميشال فرعون، فيكونون خير قدوة لابناء جيلهم.
سهرة هذا العام تبدو مميزة. في الذكرى العاشرة على وقوع الحادث الذي اودى بحياة هادي، يُقام "الاحتفال" في الملهى الليلي نفسه (B018 في الكرنتينا) الذي قضى فيه سهرته الاخيرة برفقة اهله واصدقائه. "الفرق انه قبل عشر سنوات قاد هادي سيارته اما اليوم فسيحتفل الجميع ولكنهم لن يقودوا سياراتهم"، تقول جبران والاوتار في الحنجرة مشدودة بين الالم والامل. "ليس هذا بالامر السهل حتماً...سنحضر انا ووالده وشقيقاته لنستذكره بفرح ورسالة. بالنسبة لي، انا لا احتفل برحيل ابني، بل بميلاده في السماء. هادي الملاك بلغ من العمر عشرة اعوام".
هذا الخيار الذي اتخذته العائلة فور رحيل وحيدها في العام 2006 هو اعظم ما يمكن انسان مجروح فعله: اجتياز منطقة الالم وتحويل الذات الى سفينة تنقل المجتمع الى برّ الامان. تتنقل السيدة جبران بين المدارس والجامعات والمؤسسات...لتلقي محاضرات باسم الجمعية التي تأسست من رحم المأساة، فتشاهد في كل مرّة فيلماً يظهر ابنها يضحك ويتحرك ويتكلم. " شعور ان ترى شخصا تشتاق اليه بهذا القدر حيّا امامك على الشاشة، لا يوصف. كأن تفتح الجرح وتعبث به. لكن التضحية تضحى واجبا وخيارا صادقاً حين تؤدي رسالة تعرف بأنها ستنقذ حيوات آلاف الاشخاص. يقول المثل: "الواحد ما يتعلم من الا من كيسو"، لكننا نقول بل تعلموا من "كيسنا وكيس أمثالنا ممن فقدوا الاغلى".
والحال ان هذه الام المفجوعة باتت ايضاً مصدر امل ودعم لكثيرات فقدن اولادهنّ في حوادث سير. تقرّ بأنها لا تتناول هذا الموضوع كثيرا لكنها تعترف اخيراً بأنها وقفت وتقف الى جانب والدات مفجوعات لتقول لهنّ انهضن من الحزن كرمى للباقين الاحياء، من رحل بات في حضن الامان. "الام هي العامود الفقري الذي يجمع اعضاء الجسد، فلنتخيّل لو انني استسلمت امام المأساة، لكان احتمال ضياع بناتي اللواتي كنّ في سنّ المراهقة حينما فقدن شقيقهن، واردا جداً."
بنبرة فرح تكشف جبران ان عددا من الامهات اللواتي فقدن ابنا أو بنتا سوف يشاركن في السهرة. وبفخر تقرّ بأنها راضية عما انجزته ولا تزال جمعية "كن هادي" لكنها تعقب: "يد واحدة لا تستطيع ان تصفق. المطلوب تطبيق حازم للقانون وصيانة للطرقات والسيارات وادخال التوعية المرورية ضمن المناهج التربوية. حين طبق قانون السير بحزم فور صدوره العام الفائت، انخفضت نسبة الحوادث 50% وانخفض عدد القتلى 40%. للاسف، اذا ما قارنا اشهر 2016 بالسنة الماضية، نرى ان النسبة عادت الى ما كانت عليه"، تختم.
(كل التفاصيل حول سهرة taxi night تجدونها على الموقع الالكتروني للجمعية www.kunhadi.org وحساباتها على مواقع التواصل الاجتماعي).