أكثر ما استفزني من بين المستفزات الكثيرة التي تطوقنا في بلد العجايب والغرائب هذا الإعلان المبوب الذي قرأته في إحدى كبريات الصحف اللبنانية. ويشترط صاحب الإعلان الذي يعرض شقته للبيع في منطقة الحازمية أن يكون الشاري مسيحياً.
ولا استغرب ابداً أن أقرأ إعلاناً مشابهاً في مقبل الأيام يطلب فيه أحدهم أن يكون الشاري مسلماً، وهلمّ جرّ، إلى آخر المعزوفة الطائفية التي أوصلتنا إليه ممارسات بعض السياسيين، الذين يتمترسون وراء طوائفهم ومذاهبهم لتغطية ما يقومون به من تجاوزات عابرة لكل الطوائف والمناطق، مع ما يعنيه ذلك من انقسام حاد في الإتجاهين العمودي والأفقي، وما يتركه من ذيول مسيئة في حق الوطن، ككيان وكجوهر، بدأت بوادره تظهر في حالات مشابهة تنمّ عن جهل لدور لبنان الرسالة الذي تحدث عنه البابا القديس يوحنا بولس الثاني.
بعض الذين لا يزالون يؤمنون بأن الوطن هو ساحة تلاقٍ بين جميع مكوناته، وأن الإنتماء إليه ليس انتماءً ظرفياً، أو انتماءً عابراً، توقفوا ملياً أمام هذا الخطر الزاحف إلينا بلباس طائفي بغيض، وهو أشدّ فتكاً من أي وباء آخر، وهو كفيل بتقويض الكيان اللبناني، الذي ارتضى أهله أن يتعايشوا فيه معاً، على الحلوة وعلى المرّة، واقتنعوا بأن لا بديل لهم عنه، اياً تكن الظروف والمغريات.
قد يكون وراء من وضع هذا الإعلان شخص جاهل لماهية الصيغة اللبنانية، أو قد يكون ضحية التجييش الطائفي، أو ضحية من ضحايا التعصب الأعمى، أو نتيجة بعض الموروثات والمفاهيم الخاطئة، ولكن أن تقع صحيفة عريقة، وهي ناضلت من أجل أن يبقى لبنان واحة للحريات والمعتقدات في بوتقة وطنية سليمة لا مكان فيها لسوسة الطائفية، في هذا الخطأ المميت، فهو أمر مستغرب ومستهجن في آن. وكان مطلوب إمتناعها عن نشر هكذا إعلان، حرصاً منها على ما تؤمن به، وما تدعو إليه من قيم لم تحد عنها يوماً، حتى في أحلك الظروف وأقساها.