منذ خروج الإتفاق النووي الى النور، بدأت معالم السياسة الخارجية الاميركية بالتحول، فتبدلت معها قواعد لعبتها الدولية والاقليمية منتقلة بها من مرحلة نسج المعادلات التي تخدم مرحلة عدائها الخالص لإيران الى مرحلة تشريع أبواب الحوار أمام الأخيرة والبحث عن سبل التوافق بينهما بما يخدم مصالح البلدين ويسمح بعبور آمن للاتفاق النووي، الاّ أن هذا التحول الذي طرأ على السياسة الاميركية الخارجية بحجة الاتفاق النووي، لم تنجح الادارة الاميركية، وبحنكتها الديبلوماسية، في تجميله ولا حتى من تسهيل هضمه لدى حلفائها أو التخفيف من قلقهم تجاه ما قد يحمله هذا الاتفاق من تداعيات خطرة على أمنها بشكل خاص، بل على العكس تماماً، فلقد عكست ممارستها السياسية مؤخرا، انتهاجها سياسة "الوجوه المتعددة" تجاه دول المنطقة على قاعدة "ضربة على الحافر وضربة على المسمار"، صافعة في دربها وجه حليفها بـ"الكف" عادلة له طربوشه في آن".
بين النووي.. وجنيف
وفي هذا الإطار سُجل للإدارة الأميركية وديبلوماسييها سلسلة تحركات بوجوه متعددة ومتناقضة على اكثر من اتجاه، حيث عُقد الثلاثاء الماضي لقاء جمع وزيري الخارجية الأميركي جون كيري والايراني محمد جواد ظريف في نيويورك دام أكثر من ساعتين ونصف، وذلك على هامش مؤتمر التغير المناخي، حيث وصف كيري اللقاء في تغريدة له على "تويتر" بأنه " كان فرصة لمناقشة التزامنا تجاه البرنامج المشترك الشامل (الإتفاق النووي)". وعلى رغم عدم كشف أي من الطرفين فيما اذا تناول اللقاء التطرق إلى ملفات المنطقة الأخرى وتحديدا سوريا، الا أن ما كشفه المتحدث بإسم وزارة الخارجية الأميركية جون كيربي الاثنين الماضي، يؤكد على أن هذا اللقاء توسع النقاش فيه الى أوراق اخرى لا تخرج في أهميتها ومسارها عن مسار الالتزام بالاتفاق النووي والتطبيق الآمن له، حيث صرح كيربي بأن:" كيري سيطلب خلال اجتماعه من نظيره ظريف مساعدة طهران في تحقيق تقدم في المفاوضات الجارية في جنيف بين النظام السوري والمعارضة"،وربما هذا ما يفسر اتفاق الطرفين على عقد اجتماع آخر نهار الجمعة المقبل بالتزامن مع اختتام المؤتمر.
في المقابل أعلن السفير الأميركي لدى تركيا جون باس في السابع من الشهر الجاري "أن مسؤولين أميركيين يبحثون مع الجيش والحكومة التركية سبل دعم المعارضة السورية المعتدلة لدفع تنظيم الدولة الاسلامية للتوجه الى الشرق أكثر في سوريا". تبع هذا الاعلان، اتصال هاتفي أجراه مؤخراً الرئيس الاميركي باراك اوباما بنظيره الروسي فلاديمير بوتين مبلغاً اياه ضرورة "ان تكون مواقف البلدين متناغمة حيال الازمة في سوريا التي يتدهور فيها الوضع بسرعة"، مؤكدا "أن على واشنطن وموسكو العمل لكي يتحرك الوضع هناك إلى الأمام". وبالامس، جدد وزير الدفاع الأميركي آشتون كارتر بعد اجتماعه مع وزراء الدفاع لدول مجلس التعاون الخليجي في الرياض التزام الولايات المتحدة بالوقوف مع دول الخليج ضد التدخلات الايرانية، موضحاَ أن الاتفاق النووي لا يفرض قيوداً على واشنطن بشأن شراكتها ضد انشطة ايران المهددة للاستقرار في المنطقة، مضيفاً أان واشنطن ستبقي العقوبات المفروضة على ايران في ما يتعلق بالارهاب والصورايخ البالستية".
ولكن، أمام هذا المشهد المتشعب والمتشابك للسياسة الاميركية، وانطلاقا من الحراك الاميركي الاخير تجاه المملكة العربية السعودية الحليف التاريخي لها، كيف ستتعاطى الرياض مع المواقف الاميركية الاخيرة، خاصة أن العلاقات بين البلدين وصلت مؤخراً الى أعلى درجات التوتر، حيث حمل وزير الخارجية السعودي عادل الجبير خلال الزيارة التي قام بها مؤخراً الى واشنطن، رسالة مفادها، اضطرارالمملكة لبيع ما يصل قيمته الى 750 مليار دولار من سندات الخزينة الأميركية التي تملكها السعودية، بالاضافة الى غيرها من الاصول الثابتة، قبل أن تتعرض لخطر التجميد من قبل المحاكم الاميركية في حال مرّ مشروع القانون المقترح في مجلس الشيوخ والقاضي الى توضيح "ان الحصانة الممنوحة للدول الاجنبية في ظل القانون لا ينبغي ان تنطبق في الحالات التي يتبين فيها أن تلك الدول متورطة في هجمات ارهابية أدت لمقتل أميركيين على أرض الولايات المتحدة الاميركية"، مما يمهد الطريق لتحقيق المحاكم الاميركية في دور الحكومة السعودية بسبب الدعاوى القضائية المقامة على خلفية هجمات 11 أيلول.
ربما الإجابة عن هذا السؤال يمكن قراءتها من خلال الخطوات النوعية والمفاجئة التي قامت بها المملكة في المنطقة محرّفة بشروطها خيوط اللعبة الدولية والاقليمية عن مسارها، الامر الذي يجعل من رسالتها الاخيرة لواشنطن تدخل في السياق عينه. فهي تعد بمثابة انذار استباقي جدي، مرهون تنفيذه بمسار المفاوضات الحاصلة على خط ازمات المنطقة وبخاصة سوريا، والتي يبدو أنها ستتجه نحو التجميد المؤقت، والمؤشر عل ذلك إعلان الهيئة العليا للمفاوضات في جنيف تأجيل مشاركتها، مما يؤكد ظهور معطيات ومتغيرات جديدة تتجاوز مسار معارك الميدان السوري الى تغييرات تطال وجه الادارة الاميركية الجديد، خاصة مع اقتراب موعد الاستحقاق الانتخابي الرئاسي الاميركي، والذي ربما وجدت اطراف معينة فيه، فرصة يمكن التعويل عليها لتحصيل مكاسب معينة في الملف السوري.
اذا، أمام هذا الواقع، ومع ذهاب اللاعب الأميركي في الأيام المقبلة للانشغال باستحقاقه الرئاسي، لن يقف الدب الروسي متفرجاً، خاصة مع الضغوط الاقتصادية والعقوبات التجارية والمالية التي يعانيها، والتي كان لواشنطن اليد الطولى في جزء منها، بل قد تشهد خطوطه الديبلوماسية حراكاً كبيراً في اتجاه الدول المؤثرة في المنطقة وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، محاولاً تقديم موسكو كبديل عن واشنطن، ساعياُ إلى قطف ما أمكن من فرص من أمام اللاعب الاميركي، مستمراً في الوقت عينه في امعانه بمسك اوراق لعب الصراع السوري، قاطعاً الطريق أمام أي فرصة تمنح طهران فرصة بسط نفوذها مجدداً في المنطقة.
(ميرفت ملحم ـ محام بالإستئناف)